سنا الشامي
لم يستطع إسرائيلي واحد أن يطأ أرض دمشق علانية إلا عندما تملكتها الفوضى ومزق شعبها وقطعت أوصاله، وانتقل وعيه من الحماية الوطنية القومية لحدود بلاده إلى حماية نفسه وأحبابه كرد فعل على الخيانة والصدمة والضياع. هنا دخل الإسرائيلي دمشق، إذ كانت في أقصى تقديراته حلماً بعيد المنال.
إسرائيلي في دمشق
فقد استفاق السوريون منذ يومين على خبر وجود صحافي وصانع أفلام وثائقية إسرائيلي يدعي إيتاي أنغيل في عاصمتهم، وذلك بعد نشره صورة له في أحد مقاهي دمشق وهو يدخن النرجيلة وكأنه اعتاد الوجود فيها وممارسة عادات أهلها، وعنونها “في دمشق مع حبي”، معلناً فيلمه الوثائقي الذي صوره في شوارعها وأحيائها وأزقتها بعد سقوط نظام بشار الأسد الذي ستعرضه القناة الـ12 الإسرائيلية.
ويعتبر إيتاي أحد أشهر مراسلي الحرب في إسرائيل، فهو يغطي كل الصراعات الكبرى والحروب ميدانياً، وكثيراً ما ينضم إلى القوات المقاتلة على الأرض كما فعل في أوكرانيا، ومع جيش الدفاع الإسرائيلي في غزة، إذ كان واضحاً من منشوراته على وسائل التواصل دفاعه عن الإبادة الجماعية التي قامت بها إسرائيل في حق الغزيين.
كما كتب على صفحته في “فيسبوك”، “خمس مرات كنت في سوريا منذ اللحظة التي بدأ التمرد على بشار الأسد في اكتساب زخم عام 2012، أجريت محادثات مع المتمردين المعتدلين في سوريا وبعضهم لا يكذب الاتصال بإسرائيل”، وتابع أنه قابل إرهابيين من تنظيم “داعش” بعد القبض عليهم “وهم يريدون إنشاء إمارة إسلامية في سوريا، كما قمت على خط المواجهة للمعركة بتوثيق مقاتلي العصابات الكردية الذين يريدون إنشاء دولة كردية مستقلة في شمال سوريا”.
ليس الأول!
ودخل الصحافي الإسرائيلي الأراضي السورية للمرة الأولى إلى خربة اللوز في إدلب عام 2012، وكانت حينها خارجة عن سيطرة قوات النظام السابق، أما الدخول الثاني فكان إلى مناطق سيطرة القوات الكردية عام 2014، صور خلالها معتقلين معصوبي الأعين يشتبه في أنهم من تنظيم “داعش” الذين أسرهم مقاتلو وحدات “حماية الشعب الكردية” في الـ13 من أكتوبر (تشرين الأول) 2014 في محافظة الحسكة شمال سوريا، وأتى الدخول الثالث عام 2015 إلى منطقة عين العرب “كوباني” في شمال سوريا إذ كانت تحت حصار “داعش”، وقدم تغطية عن المقاومة الكردية لهذه الهجمات حينها.
ويظهر المقطع الترويجي لفيلمه أنه تجول في معظم الأرض السورية ودخل بعض المباني التي كانت خاصة بالإيرانيين في سوريا، وعبر في ممرات سرية وتحدث مع الناس ومع مقاتلين، كما جال في أماكن حرمت على السوريين أنفسهم، فدخل بعض أفرع الأمن ومنها “فرع فلسطين” حيث وضع صورة وأرفقها بتعليق “سجن فلسطين، دمشق، من هنا ارتكبت بعض أخطر الجرائم خلال نظام الأسد، قبل الفرار من هناك، سارع جنود النظام لحرق الأدلة والوثائق الخاصة بالأشخاص الذين قتلوا واغتصبوا، ويبقى جزء بسيط من الأرشيف فقط”.
إيتاي لم يكن الصحافي الإسرائيلي الأول الذي يدخل دمشق بعد سقوط نظام الأسد، إذ سبقه إلى ساحة الأمويين زاك أندرس مراسل قناة i24news الإسرائيلية التي تبث من يافا، ولديها مكاتب في عدد من الدول ومن ضمنها الإمارات العربية المتحدة، إذ واكب الصحافي ما سماه فرحة الشعب السوري بسقوط بشار الأسد، وشرح عن تلك اللحظات التي عايشها مع السوريين، لكن هذا الأخير لم يدر أحد به فمر وجوده في خضم الأحداث المتزاحمة آنذاك من دون أن ينتبه له الشارع السوري غير المتابع أساساً لوسائل إعلام إسرائيلية.
غليان شعبي وصمت رسمي
ولم يحتج إنغيل لوقت طويل لينتشر خبر وجوده في دمشق كالنار في الهشيم، فقد ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بها، واحتدم الجدال بين أهل البلد الواحد وعلت الأصوات المنددة بوجوده ودخوله إلى بلد حرمت على أي إسرائيلي، وتساءل كثيرون عن طريقة دخوله غير الواضحة والمبررة، وبدأت الصفحات والحسابات الشخصية تخمن كيف دخل، فوجدوا المبرر الوحيد أن الصحافي الإسرائيلي قد يكون دخل البلاد عبر جواز سفر أميركي إلى جانب جواز سفره الإسرائيلي، مما يتيح له دخول سوريا بسهولة، ولكن في وقت سابق كان أنغيل نفسه تحدث لقناة “فرنسا 24” عن أنه دخل بجواز سفر ثان يحمله غير الجواز الإسرائيلي، وهو جواز أوروبي، لكن حتى هذه المعلومة لم تلق صدى من الشارع السوري وبخاصة في زمن التكنولوجيا وسهولة تبادل المعلومات، في وقت لم تنبس فيه السلطات السورية الرسمية حتى اللحظة ببنت شفا عن الموضوع، بل آثرت الصمت، لكن السوريين انتفضوا بما يستطيعون، كل على صفحته، يندد ويستنكر ويتوعد، كما قام بعض الشباب بوقفة احتجاجية عند ساحة الحجاز في دمشق.
ردود الفعل
وكتب رواد وسائل التواصل الاجتماعي تعليقات متعددة على هذا الحدث، فقال أحمد “هذه التغريدة ليست للطعن في الثورة السورية ولا في القيادة الحالية، في ظل الديمقراطية يحق لكل مواطن أن يحاسب حكومته، لكن الحدود السورية خلال الأيام الأولى كانت بلا موظفين أو أي نوع من أنواع الضبط، أعرف أشخاصاً دخلوا من لبنان إلى سوريا وعادوا للبنان من دون أن يجدوا من يسألهم عن أي شيء أو حتى يختم جوازاتهم، فحتى الآن الأمور ما زالت قابلة للاختراق بصورة أو بأخرى، والإجراءات الأمنية ما زالت في حدها الأدنى في النقاط الحدودية في الأقل مع لبنان”.
وكتب مؤيد “ما الذي حدث في دمشق؟ صحافي إسرائيلي ينشر له صورة من قلب العاصمة السورية دمشق! هل وصلت بنا الحال إلى السماح لصحافي دولة الاحتلال الإسرائيلي دخول دمشق بكل أريحية؟ نحتاج إلى إجابة واضحة من المسؤولين السوريين عما يجري بالضبط”.
أما المحلل السياسي علاء محمد فقد قال “صحافي إسرائيلي في قلب دمشق ينجز فيلماً وثائقياً لقناة إسرائيلية، الحدث غير عادي ولن يكون عادياً”، واعتبر أن إيتاي أول إسرائيلي يتجول في دمشق منذ عقود “هذا المشهد الغريب الذي لم يعتد عليه السوريون منذ قيام الكيان، حتى باتت سوريا منذ عام 1948 تقريباً، الدولة العربية الوحيدة التي لم تطأ أقدام إسرائيلي ترابها باستثناء الجولان كأرض محتلة، والأمور هنا تأخذنا إلى السلوك الذي تسلكه إسرائيل قبل توقيع اتفاق سلام مع أية دولة عربية”.
وبعد التحقق من صحة الصورة، كشف فريق منصة “تأكد” أن الصورة قديمة إذ التقطت قبل شهرين داخل أحد المطاعم في منطقة باب شرق بدمشق. وأكدت إدارة المطعم لـ”تأكد” أن الزينة الظاهرة في الصورة تعود لفترة الاحتفال برأس السنة الجديدة، مشيرة إلى أنها لم تكن على علم بهوية الصحافي.
المصدر : أندبندنت