محمد علي محسن

قبل عامين تقريبًا، كنت أتحدث مع صديق روسي عن خبر وفاة الفنانة الروسية الأوكرانية الشهيرة ذات الأصول الرومانية “صوفيا روتارو” (وكان الخبر مجرد إشاعة). كنتُ من المعجبين جدًا بأغانيها ، بينما كان زملائي يفضلون الفنانة ” آلا بوغاتشيفا ‘ .

كانت الاثنتان تحظيان بشعبية هائلة في عموم جمهوريات الاتحاد السوفيتي خلال الثمانينيات.
وانتقل حديثنا إلى فنانة الشعب ” آلا بوغاتشيفا ” ، فوجدته متحاملًا عليها، ناعتًا إياها بـ “الخائنة لروسيا”، لأنها – وفق معلوماته – غادرت روسيا إلى أستراليا بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

وتشير آخر أخبار الفنانة الروسية الشهيرة آلا بوغاتشيفا إلى أنها، بعد مغادرتها روسيا مع زوجها ” مكسيم غالكين ” في مارس 2022 احتجاجًا على الحرب في أوكرانيا، تعرضت لحملة تشويه من السلطات الروسية التي وصفتها بـ “العميلة الأجنبية” بسبب تضامنها مع زوجها الذي انتقد الحرب بشدة.

كما وجهت هي نفسها انتقادات حادة لروسيا، واصفة إياها بـ”من يبحث عن كذبة للاستمرار”.
اعتبرتُ موقفها شجاعًا، وقلت لصديقي إن موقفها يستحق الاحترام، وأنني أمام ما أعلنته أجد نفسي منحازًا لها. طبعًا، هذه سجيتنا كعرب أحيانًا؛ نتسرع في أحكامنا، وتنبع معظم مواقفنا من عاطفة وقتية جياشة، وليس من فكر رصين أو تأكد من صحة المعلومة.

ومنذ ذلك الحين، بقيت ملكة الأغنية الروسية في ذهني محل إعجاب وتقدير، إلى أن نشر أحد الإخوة العرب سيرة مُجَلة لها في مجموعة “أصدقاء روسيا” على ” فيسبوك ” . فجاءت بعض التعليقات صادمة وغير متوقعة: فصاحبة الـ 250 مليون أسطوانة مبيعات في العالم، مقر إقامتها ليس أستراليا، بل إسرائيل!

إذن، لم تغادر روسيا إلى أستراليا، بل إلى إسرائيل، “أرض الميعاد” وفق الخرافة المزعومة من والدتها اليهودية. فقد خانت وطنها الكبير روسيا (بحسب رأي المعلقين) لتنضم إلى الصهاينة المغتصبين لأرض الفلسطينيين. لقد اتضح أنها “صهيونية” تؤيد الرئيس الأوكراني ” زيلينسكي ” الممثل المسرحي المنتمي للطائفة اليهودية .

ولمن لا يعرف ملكة الأغنية الروسية، فهي ممثلة ومنتجة ومؤلفة أغان، وتعد أيقونة حقيقية وملكة البوب الروسي السوفيتي بلا منازع. وكل من عايش حقبة الاتحاد السوفيتي في السبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات والألفية الثالثة، يدرك مكانة هذه الفنانة وكيف أضحت “فنانة الشعب”.

ومؤخرًا، ظهرت الفنانة الحاصلة على أرفع الأوسمة والنياشين والجوائز السوفيتية والروسية، برفقة زوجها الخامس المغني والكوميديان والاعلامي التليفزيوني “مكسيم غالكين” الذي تصغره بـ 29 عامًا (تزوجا عام 2011)، في فناء منزلها في إسرائيل.

وأتساءل: كيف لفنانة الشعب أن تترك وطنها الأم روسيا، إلى إسرائيل، وطن الشعب الفلسطيني المغتصَب؟ وكيف جرى تصويرها كبطلة مناهضة للحرب في أوكرانيا، بينما لم يصدر عنها أي حديث عن جرائم الإبادة الجماعية في غزة؟!

إنها خاتمة مأساوية حقًا، أيها القامة الفنية، وفي عمر الـ 76 عامًا. كيف غادرت وطنك الأم إلى كيان استعماري استيطاني لا يربطك به رابط ثقافي أو تاريخي حقيقي؟ كيف تنددين بحرب في أوكرانيا وتعيشين في قلب كيان يغتال كل يوم طفلًا ومدنيًا في غزة، وسط أعظم جرائم إبادة يشهدها العصر الحديث؟

إنها نهاية تثير الحُزن والخجل. فليس هناك ما هو أسوأ من أن يكون الموقف الإنساني المعلن مجرد قناع يخفي تحته انحيازًا عرقيًا ضيقًا.
فلم يكن موقفك نابعًا من إيمان عميق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، بل كان دافعُه التعاطف مع رئيس أوكرانيا، لا بصفته رئيسًا، بل بكونه يهوديًا صهيونيًا من بني قوم والدتك.
وشتان بين فنان ينتصر لضميره ولحقوق المظلومين أينما كانوا، وبين فنان ينحاز لقومه أو لجذوره، دون أي اكتراث أو خجل مما يرتكبونه بحق الآخرين في فلسطين.
لقد فضحتِ التناقض الأخلاقي الكامن في قلب “الليبرالية الانتقائية”، فالإنسانية التي لا تشمل كل البشر، وخاصة أطفال غزة، هي إنسانية ناقصة ومشوهة.

ربما تظل أغانيكِ خالدة في ذاكرة الملايين، ولكن سيرتكِ الإنسانية ستظل معلقة إلى الأبد بين علامتي استفهام كبيرتين: واحدة في كييف ، وأخرى، أكثر إيلامًا وصرامة، في غزة.