طاهر شمسان

لمناسبة ذكرى ثورة فبراير 2011، نشر الكاتب حسين الوادعي مقالا على صفحته في فيسبوك سقط به من شاهق ووقع على رأسه، فبدا غير حسين ذاك الذي صدقنا أنه: ليبرالي، علماني، مدني، وديمقراطي.

الوادعي لم يحلل ثورة فبراير كفعل سياسي بقدر ما انشغل بشرح “سيكولوجيا الثوار”، وعلى وجه الخصوص “سيكولوجيا توكل كرمان”.
وقد بنى مقاله على مجموعة من المرتكزات، أهمها:

​1. تبسيط أسباب سقوط علي عبد الله صالح:

يرى الوادعي أن علي صالح سقط فقط بسبب ضغط الخارج، وانقسام الجيش، وهجمات “الجهاديين”، معتبراً تظاهرات شباب الثورة مجرد “كوميديا” كانت تتم بتصاريح من الفرقة الأولى مدرع وحزب الإصلاح.

والملاحظ على هذا التحليل أنه أغفل العلاقة السببية بين الفعل ورد الفعل. فلولا خروج الشباب إلى الساحات وكسر حاجز الخوف، لما انقسم الجيش أصلاً، ولما تجرأ قائد الفرقة الأولى مدرع على الانشقاق، ولما شعرت القوى الدولية والإقليمية أن بقاء علي صالح صار عبئاً.

وخلاصة هذا أن الشباب كانوا هم الشرارة التي اندلع منها لهيب الثورة الشعبية، أي أنهم كانوا “الفعل” بينما كان انقسام النخبة “رد الفعل”.

أما وصف التظاهرات ب”الكوميديا” فهو تقليل مجحف من شأن الفعل المدني الذي وفر الغطاء الأخلاقي لتحرك أحزاب اللقاء المشترك، ثم للفرقة الأولى مدرع والمنشقين على حزب الرئيس صالح بعد مذبحة جمعة الكرامة.

وبإصراره على أن صالح سقط بقرار سعودي-دولي وبانقسام الجيش، يكون حسين الوادعي قد قزَّمَ “الفعل المدني” لصالح “الفعل العسكري الخارجي”، وبهذا التقزيم أثبت أن مدنيته أكذوبة، وأن جُلَّ همه أن يوجه طعنة مباشرة لشرعية ثورة فبراير ولرموزها، وفحوى رسالته لشباب الثورة: “أنتم لم تفعلوا شيئاً، كنتم مجرد كومبارس في مسرحية أدارها الكبار”.

ومن الطبيعي أن يرضي هذا الطرح خصوم فبراير (بقايا نظام صالح أو القوى الرافضة للثورة) ويجرد “الفبرايريين” من أعظم إنجازاتهم الرمزية.

2. شخصنة الأزمة في توكل كرمان:

هاجم الوادعي توكل كرمان وصوَّرها شخصيةً نرجسية تعيش وهم الزعامة. أما جائزة نوبل فهي في منظور هذا الكاتب “صدقة” أو “هدية” للثورة وليست لتوكل.

والملاحظ هنا أن الوادعي سقط في فخ “الشخصنة”، متجاهلا أن “نوبل للسلام” تُمنح لأفراد أو لمؤسسات بناءً على معايير دولية، ولا تمنح لثورات أو لكتل شعبية.

أما توكل كرمان-شئنا أم أبينا-فقد كانت “الواجهة” التي اختارتها اللحظة التاريخية.

والتركيز على نقد “سلوكها الشخصي” أو “علاقتها بقطر” يشتت الانتباه عن القضية الجوهرية وهي: لماذا فشلت النخب التي تلت ثورة 11 فبراير وشكلت حكومة الوفاق الوطني في بناء الدولة؟ واضح إذاً أن الوادعي اختار أن يهاجم “الرمز” ممثلا بتوكل ليهرب من تحليل “الفشل المؤسسي” الجماعي.

​3. استخدام نظرية “التحليل النفسي” كأداة إقصاء:

استخدم الوادعي مصطلح “التثبيت” الفرويدي ليقول إن الثوار عالقون نفسياً في لحظة 2011 وغير قادرين على التجاوز، وأن صالح أصبح “ضرورة نفسية” لهم.
وهذا استخدام “تعسفي” لعلم النفس في الصراع السياسي.
ذلك أن الاحتفاء بالثورات تقليد عالمي وليس بالضرورة “مرضاً نفسياً”.

ونقد علي صالح -حتى بعد موته- ليس عجزاً، بل هو نقد لـ “النهج” الذي يرى الثوار أنه أدى إلى فشل الدولة وانهيارها، والمطالبة بـ “نسيان” دور علي صالح في هذا الانهيار هي دعوة صريحة للتستر على خيانة عظمى غير قابلة للسكوت عليها لأن الانهيار لم يظهر فجأة من الفراغ، وإنما كانت له مقدمات سياسية كان صالح بطلها بامتياز.

4. استخدام سلاح “الوصم النفسي”:

لم يقل الوادعي إن “توكل كرمان مخطئة سياسياً”، بل قال إنها (ومن معها) يعانون من “اختلال نفسي” وتثبيت فرويدي.

وهذا النوع من النقد ليس قراءة موضوعية وإنما يندرج في إطار “الوصم النفسي” الذي يهدف إلى جعل كلام الطرف الآخر “هذيانا مرضيا” لا يستحق الرد العقلاني.

والخطاب الذي يستخدم “الوصم النفسي” من قبيل (أنت مريض، أنت عالق، أنت واهم) هو خطاب يضر ولا ينفع لأنه يغلق الباب أمام أي نقد ذاتي حقيقي.

فبدلاً من أن يدفع “الفبرايريين” لمراجعة أخطائهم-إن كانت لهم أخطاء-فإنه يدفعهم إلى “التمترس الدفاعي”.

فعندما يشعر هذا الطرف أو ذاك بأنه يتعرض للاغتيال المعنوي والسخرية من تاريخه، فإنه يتمسك بمواقفه أكثر نكاية بخصمه.

​5. السخرية من استمرار مسمى “شباب الثورة”:

يسخر الوادعي من استمرار مسمى “شباب الثورة” رغم تقدمهم في السن ويسميهم “ولدان مخلدون” ويتجاهل-وربما يجهل-أن سياق هذا المسمى يشير إلى “جيل سياسي” بعينه وليس إلى مرحلة عمرية بيولوجية.

ولم يكن الوادعي ليقع في هذا النوع من سوء الفهم إلا لأنه يهاجم “الشكل” (الاسم، الطقوس، الأغاني) ليتجنب نقاش “المحتوى” (مطالب الثوار التي لم تتحقق).

6. استخدام “فزاعة” الحوثي لإيقاف النقد:

الوادعي يستخدم فزاعة الحوثي لفرض “صمت” اختياري على نقد الماضي. تاريخياً، المحاسبة على أخطاء الماضي (فترة صالح) هي جزء من فهم لماذا وصلنا إلى (الحاضر الذي نحن فيه)، وفصل الاثنين عن بعضهما هو محاولة لحماية إرث سياسي معين من النقد.

7. تعزيز “العدمية السياسية”:

هذا النوع من النقد يوحي بأنه لا يوجد طرف “نظيف” أو “عاقل” في المشهد اليمني؛ فالكل إما “نظام فاسد” أو “ثوار مرضى نفسيين”.

وهذه العدمية تحطم الأمل لدى الجيل الشاب، وتجعل الناس يكفرون بالعمل السياسي ككل، مما يفسح المجال أمام الجماعات العقائدية المسلحة التي لا تؤمن بالحوار أصلاً.

8. إحياء “الصراعات الشخصية” على حساب القضايا الوطنية:

مقال الوادعي يجر النقاش من “كيف نحل مشاكلنا المزمنة؟” إلى “هل توكل كرمان نرجسية أم لا؟”.

وهذا الانحدار في مستوى النقاش السياسي يحول القضايا المصيرية إلى “مهاترات” شخصية وتصفية أحقاد قديمة تعود لعام 2011، وكأن الزمن لم يتحرك.

9. “تعويض العجز” عبر الانتصارات الوهمية:

عندما يعجز المثقف أو السياسي عن مواجهة الخصم الحقيقي، فإنه يبحث عن “انتصار بديل” سهل المنال.

وشتم توكل كرمان أو السخرية من شباب فبراير هو معركة “صفرية المخاطر”؛ لا تحتاج لجبهات ولا لرصاص، بل لبوست على فيسبوك أو مقال لاذع يمنح صاحبه شعوراً مؤقتًا بالذكاء والتفوق.

10. توقيت المقال:

أن يكتب الوادعي مقاله موضوع نقدنا في ذكرى ثورة (11 فبراير) فهذا بحد ذاته فعل سياسي قائم على اختار اللحظة التي يشعر فيها شباب الثورة بالفخر ليستهدفهم في “عقر دارهم المعنوي”.

الخلاصة في نقد مقال الوادعي:

مقال حسين الوادعي “مقال انفعالي بامتياز”، ولهذا السبب فشل في أن يكون محايدا لأنه:

أولاً: برّأ نظام علي صالح ضمنياً عبر تصوير الثورة كفعل عبثي أو “كوميدي”.

ثانيا: استخدم التشخيص النفسي كبديل للتحليل السياسي الرصين.

ثالثا: تجاهل المسؤولية التاريخية لعلي لصالح في فشل وانهيار الدولة، وحصر المشكلة في “صراخ الساحات”.

وبدلا من أن يكشف لنا المقال موضوع النقد عن شيء في شخصية توكل كرمان كشف لنا عن ضحالة حسين الوادعي، وعن استخدامه لمهاراته في الكتابة للتضليل على القارئ وإدخاله في معارك هامشية لا قيمة لها ولا معنى.

لم يمتلك حسين الوادعي ربع شجاعة توكل كرمان حين كان الرصاص ينطلق من كل مكان، ولا عرفنا له أي دور في الثورة، ولا أي ظهور، ولا أي موقف مع أو ضد، لكن الآن سهل عليه شيطنة جهود الآخرين وخياراتهم.

إن حسين الوادعي، هذا الذي يقدم نفسه ليبراليا، ظهر لنا صاحب رغبة جامحة في تسفيه الآخر والتقليل من قيمته ومن أدواره، هكذا تطوعا من عنده دون الإشارة إلى أي شيء يجعل المتلقي يشعر أن توكل مارست هذه المغالطة أو تلك، أو أنها دلَّستْ، أو أن جهلها ظهر في هذه المسألة أو تلك.

إن مقال الوادعي كله هجوم شخصي على توكل دون أن يثبت للقارئ شيئا يبرر هذا الهجوم، أو يقدم له معلومة، أو يصحح مفهوما أو سياقا تاريخيا.

فقط هاجم شخصها وقال إن علاقاتها خدمت قطر. ولو أن كل ما قاله الوادعي كافيا لإقامة الحجة على توكل لقلنا الشيء نفسه عن الوادعي وعن مكان إقامته في السويد.