أحمد حرمل

هناك من لم يزل غارقًا في وهم إعادة ترتيب الجغرافيا بأهواءٍ لا تقوى على هزيمة ريح، أو مجادلة التاريخ بعقولٍ لم تنضج بعد على حكمة التراكم.

يقف هؤلاء على أعتاب القضية الجنوبية، لا ليدفعوا عجلتها الى الأمام ، بل ليفتحوا جبهاتٍ جانبية، ويخوضوا معارك وهمية ضد من لا يعدو أن يكون شريكًا في الهدف أو جارًا في الجغرافيا.
لم يستوعبوا بعدُ أن توسيع دائرة الخصوم ليست سياسة حكيمة ، بل تضييع للجهد وتفتيت للهدف ، أن القضية الجنوبية ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا ميدانًا لاختبار الولاءات أو تأكيد الذات على حساب الآخر.

فمن يظن أنه يمكن النصر بتوسيع جبهة الخصوم، وتضليل البوصلة بصراعات بينية لا تخدم الجنوب قيد أنملة، إنما يخدم أعداءه، ويسقط في فخ التفريع الذي يضيع الأصل.

إن معركة الجنوب اليوم تحتاج إلى عقلٍ يجمع، لا إلى شهوة تفرق؛ إلى رجال يبنون جسور الكلمة، لا إلى أصوات تهدم ما تبقى من وحدة الصف.

ومن لم يدرك أن الجغرافيا ليست خصمًا، وأن التاريخ ليس وصيةً لأحد، فسيظل يدور في حلقة مفرغة لا توصل إلى شاطئ، وستبقى قضيته أسيرة وهمه، لا وقودًا لتحقيق الحلم الجنوبي.

ففي زمن تشذ فيه بعض الاتهامات كالسراب، وتصاغ رواياتٌ شاذة على مقاس الأهواء، يبرق بين الحين والآخر خطابٌ يحاول أن يغتسل بدماء التاريخ، أن يُلصق بدولة الجنوب قبل الوحدة تهمةً لم تكن سوى انعكاسٍ لصدأٍ في العقول .

“اليمننة” — هكذا يسمونها — كأنها وصمة عار، وكأن انتصار ثورة 14 أكتوبر ومنع شعب الجنوب من التشرذم جريمة، وكأن بناء دولته المستقلة جناية.

لكن الحقيقة تطل من خلف غبار الافتراء بوجه مشرق: فالدولة الجنوبية لم تكن يومًا مشروع تذويب، بل كانت ملحمة بناء لوطن حديث، يوحد القلوب قبل الجغرافيا، ويؤسس للعدالة كأساس، والسيادة كحصن، والكرامة كسقف لا يعلوه سوى السماء.

إن الدفاع عن الهوية الوطنية الجنوبية ليس مجرد رد على اتهام عابر، إنه واجب التاريخ قبل الواجب، وأمانة الأجيال.

فليس من الصواب أن تُكتب الذاكرة بالباطل، وهي التي كُتبت بالأيادي الحرّة، بالعرق لا بالحبر، بالتضحية لا بالشعارات.

فهل كان توحيد ثلاث وعشرين مشيخة وسلطنة وإمارة في كيان سياسي واحد “يمننة”؟ أم كان معجزة وطنية هزمت الفرقة كما يهزم النور الظلام؟

هل كان بناء جيش وطني منيع، وإقامة دولة ذات سيادة، ومد جسور العدالة الاجتماعية، وهدم الفوارق الطبقية — هل كان كل هذا “يمننة”؟ أم كان تأسيسًا لوطن يليق بأحلام شعبه، في زمنٍ كانت فيه المنطقة تغلي بالتجزئة والوصاية؟

ظلت هيئات ومكونات الحراك الجنوبي وكذلك قيادات وهيئات المجلس الانتقالي والنخب الجنوبية تؤكد أن الجنوب بعد حرب 94 تعرض لطمس الهوية وتزوير التاريخ والعبث بالمعالم التاريخية، وتغيير أسماء الشوارع والمدارس والمعسكرات، بل وصل الأمر إلى تحويل متحف الثورة في ردفان إلى مخبز، والقضاء على كل ما هو جنوبي.
وكل هذا الطرح صحيح ولا غبار عليه.

ومن يتهم الجبهة القومية بأنها يمننت الجنوب، فإنه بذلك يدحض هذا الطرح ويبرئ الشمال من التهم المنسوبة إليه بتغيير ملامح الجنوب.

فالدولة الجنوبية لم تقم يومًا على تبعية، بل أقامت سيادة، وفرضت أمنًا، وأدارت مؤسساتٍ كأنها قلعة من كريستال شفاف، لا يشوبها فساد ولا تنقصها نزاهة.

هذه ليست “يمننة”، هذا هو الوطن في أبهى صوره: هوية وطنية صلبة، لا تمحى بالشبهات.

إن من قرأ تاريخ الجنوب بعين غير مرتدة، رأى التعليم المجاني منهجًا حديثًا، ورأى العلاج المجاني شمسًا لا تغيب، ورأى الأمية تتهاوى أمام إرادة التعلم، بشهادة اليونسكو، والأمراض الستة التي تصيب الأطفال تضمحل، والأمراض السارية تتبخر بشهادة اليونيسيف.

ورأى المعالم التاريخية تحضنها الدولة كما تحضن الأم طفلها، ورأى الحدود مع الجمهورية العربية اليمنية تغلق بكل حزم، لأن الجنوب كان دولة، لا جسرًا للعبور إلى الضياع.

وهنا يكمن السؤال الذي لا مفر منه: كل هذه الإنجازات التي تحدثنا عنها — التعليم المجاني، والعلاج الشامل، والأمن والاستقرار، والإدارة النزيهة الخالية من الفساد، والقضاء المستقل، والمجتمع الآمن — ألم تكن حصرية في الجنوب وحدها؟ أين كان النظام التعليمي المجاني في الشمال؟ وأين كانت الخدمات الصحية المتكاملة؟ وأين كان الاستقرار والأمن الذي ميز الجنوب؟ بل أين كانت الإدارة الرشيدة والقضاء النزيه؟ لم تكن هناك.

فكيف يُتهم الجنوب بأنه “يُمْنَن” وهو الذي أقام نموذجًا مختلفًا تمامًا، بل ومتفوقًا في كل المجالات؟ هل تم استنساخ نظام الجمهورية العربية اليمنية بكل مساوئه وفشله في دولة الجنوب لكي نقول إنه جرى تيمنن؟ وهل تحول المجتمع الجنوبي، بتكوينه المدني والمنظم، إلى نسخة طبق الأصل من المجتمع الشمالي القبلي المتشرذم؟ الإجابة قطعًا: لا.

فإذا كان الجنوب لم يستورد فساد الشمال، ولا قهر نسائه، ولا تخلفه التعليمي، ولا إرثه القبلي، فبأي منطق توصف تجربته بأنها “يمننة”؟ إن هذه التهمة ليست مجرد جهل بالتاريخ، بل هي محاولة مكشوفة لطمس الحقيقة الواضحة التي تتحدث عن ذاتها: أن الجنوب كان دولة مختلفة، متقدمة، متميزة، وأن ما حدث له عقب حرب 94 العدوانية الظالمة كان اغتيالًا لهذا التميز، وليس تذويبًا في هوية أخرى.

من يصف تلك الإنجازات باليمننة لا يجهل التاريخ، بل يتعمد طمسه.

كل تلك الشواهد لم تكن صدفًا، بل كانت رؤية: دولة تضع المواطن في صلب مشروعها، لا في هامش سلطة تتغذى على الهويات.

إن الهوية الوطنية الجنوبية لم تُبنَ على الشعارات التي تتبخر مع أول ريح، بل على إنجازات لا تُنكر، صنعتها دولة قوية ومستقلة.

ومن يحاول اليوم أن يلصق بها تهمة “اليمننة”، إنما يحاول اغتيال الذاكرة، واختطاف الحلم، وبيع المستقبل بثمن بخس.

فلنرفض هذه الأكاذيب بكل ما نملك من وعي التاريخ، ولندافع عن ماضينا بكل فخر، لا كمن يستجدي براءة، بل كمن يعيد ترتيب الحقائق في وجه رياح التزييف.

ولنبنِ للجنوب مستقبلًا لا مكان فيه للتشويه ولا للتبعية، بل لكل ما يستحقه شرفاء الأرض: الكرامة التي لا تُمتَهَن، والسيادة التي لا تُقسَّم، والعدالة التي لا تُستَر.

وخلاصة القول، إن ما كان يميز الجنوب عن الشمال، بل ما جعله استثناءً فريداً في المنطقة، هو مشروع الدولة الجامعة، ذلك المشروع الذي انتصر على التشرذم والكيانات المتعددة المتوارثة، وأقام كياناً موحداً حديثاً يقوم على المواطنة لا على الولاءات الضيقة.

لقد كانت الجبهة القومية ومن ثم الحزب الأشتراكي اليمني حاملَ لواء هذه المعجزة الوطنية، فتحول الجنوب إلى وطن يُدار بمؤسسات، لا بأعراف قبلية، وإلى دولة تُبنى بالعلم والعمل، لا بالانتماءات المشيخية.

لكن حين تم ضرب هذا المشروع العظيم، وحين سُحق حامله وتم تدمير دولته، عاد المشروع القبلي ليفرض سيطرته من جديد، فإذا بالجنوب يعود إلى مربع التمزق والهشاشة، وإذا به ولا يزال يتعرّض للعبث في هويته وتاريخه ومقدراته.

اليوم، ونحن نستذكر تاريخنا بكل ما فيه من جروح ومآثر، علينا الاعتراف أن إنجاز بناء تلك الدولة لم يكن سرابًا، بل كان حقيقة راسخة شهد لها القاصي والداني، وما زالت ذكراها نبراسًا يضيء طريق العودة، لا حلما تبدد مع أول عاصفة.

ومن هذا المنطلق يجب علينا أن ندرك يقيناً أن طريق الخلاص نحو الجنوب الذي نستحق لا يمر إلا باستعادة مشروع الدولة الذي أُجهض، واستنهاض روح التلاحم والإيثار والتضحية والإخلاص والوفاء، تلك الروح التي جسدها بكل نبل ثوار الرابع عشر من أكتوبر، والتي وضعت مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات.
وإلا فإن الجنوب سيظل أسير المشروع القبلي، ومسرحاً مفتوحاً للعبث والنهب.