بقلم: أحمد حرمل

منذ انطلاق الحراك السلمي الجنوبي في العام 2007، قدّم شعب الجنوب قوافل من الشهداء والجرحى والمعتقلين، وواجه كل أشكال القمع والتنكيل، مؤمنًا بقضيته العادلة وحقه في الحرية والكرامة. كانت تلك القضية هي الدافع الذي جعل آلاف الشباب يخرجون إلى الساحات، ويواجهون الرصاص بصدور عارية، ويضحون بأرواحهم في سبيل مستقبل أفضل. ولم يكن الشهيد يحيى محمد مثنى الشوبجي وأبناؤه الأربعة بمعزل عن هذا الحراك، بل كانوا في قلبه، يجسدون قيمه ويشاركون في معتركه . والتحاقهم بصفوف المقاومة الجنوبية عام 2015 لم يكن حدثًا منفصلًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لنضال أبيهم في صفوف الحزب الاشتراكي اليمني والحراك السلمي، ليؤكدوا أن مسيرة التضحية واحدة، وأن دماءهم امتزجت بتراب الجنوب لتكتب ملحمة الحرية والكرامة.

خمسة خريفات تهاوت أوراقها على قبر الغياب، منذ ذلك اليوم الذي سار فيه رفيق الدرب إلى غير رجعة.
خمس سنوات، والذاكرة تعانق ظلَّه، والقلوب تشتعل بنار مواقفه، والأرواح تستمد من صلابة إرادته ما يذكي فينا عزمًا لا يلين.

لم يكن يحيى نجمًا وحيدًا في سماء الفداء، بل قافلةً من نور، يمشي وأربعة من نجومه خلفه، كلٌّ منهم شهابٌ ثاقب في سماء الحرية.

شلال، مازن، وأنور — ثلاثة ارتقوا من تراب الضالع إلى العليين، في مواجهة جحافل الحوثي، فكانوا قبله رسائلَ دمٍ مختومة.
ثم لحق بهم رابعهم، محمد، في غدرٍ خسيس، بعد أن سبقه أبوه إلى المجد الخالد، لتكتمل في هذا البيت ملحمةٌ يرويها التاريخ بحبرٍ من نور.

ومن دمع هذه الأسطورة المناضلة، نبت صلاح، الطبيب الذي حمل راية الأب.
شغل منصب مدير عام مديرية البريقة في عدن، وحين رأى أظافر مافيا الأراضي تمتد إلى مفاصل السلطة، استقال.

ترك الكرسي كما يترك العاشق عباءته عند باب الحبيبة: شرفًا لا تمسّه الأكفّ الدنسة، ونزاهة لا تشتريها أموال الفساد.

أراد أن يقول — وهو وريث الدم الطاهر — إن القيم التي قُدِّمَت من أجلها الأرواح، لا يُباع ثمنها بعرض زائل.

لكنّ المفارقة التي تشقّ القلب ان الوطن الذي حلم به الشهيد، فدفع نفسه وفلذات كبده فداء له، يعاني اليوم جراحًا تنزف.

معاناة الناس تكبر، وجرح الأمل يزداد اتساعًا، وكأن دماء الشهداء — تخترق الصمت — تصرخ فينا: لا تتركوا الطريق، لا تجعلوا تضحياتنا سرابًا.

رحل يحيى، فكان ملتحقًا بركب أبنائه.
وتركوا كلهم، خلفهم، قصيدةً لا تموت، سطّروها بدمائهم على جبين الزمن.
وبعد خمس سنوات، ما زالت ذكراهم مصباحًا في دهاليز العتمة، تؤكد أن القيم إذا تمسّكت بالتراب صارت جذورًا، وأن المبادئ إذا رُويت بالدم أزهرت حقول أمل، وأن المستقبل لا يُبنى إلا على جماجم الأبطال.

سلام على يحيى، وسلام على شلال ومازن وأنور ومحمد، وسلام على صلاح الذي اختار الخروج بشرف على الجلوس بذلّ، وسلام على كل شهداء الضالع والجنوب، أولئك الذين باعوا الروح مرخصه، واشتروا المجد غالياً.

اننا ونحن نتحدث عن الشهداء والتصحية نجدها مناسبة لنقول لجيل اليوم أن دماء الشوبجي وأبنائه الأربعة ليست حكاية تُروى، بل وصية تُحمل على الأعناق.
أنتم اليوم أمناء التاريخ: الراية في أيديكم فاحملوها، المبادئ بين أياديكم فصونوها، النضج خلف أقدامكم فواصلوا من أجله.

أعداء النهضة كثيرون، والألم ثقيل، لكن العزيمة أقوى حين ترصّ الصفوف، وحين يصير التلاحم أجمل لوحة في معرض النضال. فجنوبنا — واليقين يُخبرني — لن يستعيد بهاءه ما لم نكن جميعنا عنده بخير، ولن نكون بخير حتى نتسامح، ونتصالح، ونؤمن معًا أن الجنوب للجميع، وبكل أبنائه.