كتب .. احمد حرمل

الإنسانية مملكة عظيمة، حارسها الضمير. لكن حين ننظر إلى واقع اليوم، نجد أن هذه المملكة باتت بلا حارس، لأن الضمير غاب، والعالم يمضي بلا بوصلة أخلاقية.

لقد امتلكت الإنسانية كل مقومات “المملكة العظمى”:
تكنولوجيا مذهلة، ثروات هائلة، قوانين دولية، ومنظمات حقوقية.
غير أن الحارس الذي يحميها من الفوضى والظلم، أي الضمير، غائب في مواضع كثيرة.

في غزة، تتجسد الحرب على المدنيين بأبشع صورها: قصف المستشفيات والمدارس والأطفال، رغم أن قوانين جنيف وُضعت منذ عام 1949. القوانين موجودة، لكن الضمير الذي يطبقها مات.

وفي عالم يفيض بالموارد التي تكفي البشر ثلاث مرات، ما يزال هناك 700 مليون جائع. ليست المشكلة في نقص الخيرات، بل في غياب الضمير الذي يوزعها بعدل.

أما الإعلام والذكاء الاصطناعي، فقد تحولا إلى أدوات لنشر التضليل والكذب بدل الحقيقة، لأن الضمير غاب عن من يصمم الخوارزميات ومن يطلقها.

وما يزيد خطورة الأزمة أن انعدام الضمير لم يعد مقتصرًا على الأفراد، بل صار يتحكم بمصائر الدول.
فقد برز في سلوكيات قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وبعض دول الغرب، من خلال تغذية الصراعات وتزويد الكيان الصهيوني بالأسلحة وتسخير التكنولوجيا في خدمته، إضافة إلى الأطماع غير المشروعة كما حدث في فنزويلا، ورغبات السيطرة على جزيرة غرينلاند، والحروب التي أشعلت ضد إيران. هذه الممارسات تكشف أن غياب الضمير لم يعد مجرد خلل فردي، بل تحول إلى سياسة ممنهجة تُدار بها مصالح عالمية.

أما في اليمن، فلم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فالفساد المستشري، والمضاربة المحمومة، وغسل الأموال، وحُمّى الصراع على الأراضي والعقارات باعتبارها أقصر الطرق للثراء غير المشروع، كلها شواهد على غياب الضمير.

لقد صار المال سيدًا بلا رقيب، والمصلحة تُقدَّم على الأخلاق، حتى باتت القيم العليا مجرد شعارات تُرفع ولا تُطبق.

فغياب الضمير لم يكن مجرد انعكاسٍ للأزمة العالمية، بل تحول إلى كارثة إنسانية بكل معنى الكلمة.

فالحقيقة التي أثبتها الواقع أن الحديث عن شهامة اليمنيين وتسامحهم لم يعد أكثر من مجرد صورة نمطية تكذبها وقائع الدم والنار.

فمن خلال النكث بالمواثيق والعهود، والغدر بالجنوبيين، وتنكيلهم، وابتلاع دولتهم ومؤسساتهم، ونهب ثرواتهم، تجسدت أبشع صور انعدام الضمير.

ففي الحرب القائمة منذ 11 عام قُصفت الأسواق والمدارس والمستشفيات، ويُحاصر الملايين ليُصبح الجوع سلاحًا، وتُنهب الثروات النفطية والغازية بينما يعاني الناس من انقطاع المرتبات وغلاء الدواء.

الإعلام المحلي والدولي، بدل أن يفضح الانتهاكات، غالبًا ما يُخضعها للابتزاز السياسي أو يتجاهلها.
والفساد المستشري في مؤسسات الدولة، قبل الحرب وأثناءها، حوّل مقدرات الشعب إلى جيوب خاصة.

وهناك وجه آخر أكثر قسوة لغياب الضمير في اليمن، يتجلى في أن المظلوم حين تنتهي مظلوميته ويمتلك عناصر القوة، لا يعود إلى الحق والعدل، بل يمارس الظلم بأبشع صورة، بل يفوق في وحشيته ظالمه السابق.

وخير دليل على ذلك مليشيا الحوثي، التي انطلقت تحت شعار المظلومية واستعادة الحقوق، لكنها سرعان ما تحولت إلى آلة قمع همجية.

بمجرد أن سيطرت على العاصمة صنعاء ومعظم مراكز الثقل، فعلت في الشعب اليمني ما هو أسوأ مما كانت تتهم به خصومها: حاصرت المدن، جوعت الملايين، حولت المؤسسات إلى ثكنات عسكرية، نصبت السجون السرية والمطاحن (معتقلات التعذيب)، وارتكبت أبشع الانتهاكات بحق المخالفين في الرأي والدين والمنطقة.

لم تكتفِ بابتلاع الدولة، بل قامت بتفكيك النسيج الاجتماعي، وسخرت المساجد والإعلام لتمرير مشروعها الفردي، وفرضت إتاوات على التجار والمواطنين باسم الثورة.

هذا يؤكد أن المشكلة ليست في طرف دون آخر، بل في غياب الضمير ذاته؛ فحين يفقد الإنسان ضميره، يصبح المظلوم ظالماً، والثائر طاغية، والمحروم جلاداً.

وأبعد من ذلك، تجسدت الكارثة في عقلية كاملة أدارت البلد بالصراعات والحروب كمنهج وليس كاستثناء. فهذه العقلية لا تعرف لغة السلام ولا تؤمن به، لأن استمرار الحرب يعني استمرار النفوذ والسطوة على القرار والمقدرات. ومن رحمها برز ما يمكن تسميتهم بـ”تجار الحرب”، طبقة استثنائية من المستفيدين الكبار، الذين حوّلوا الدم اليمني إلى سلعة، والمآسي إلى فرص استثمارية.

هم من يتحكمون بأسعار الصرف والسلع، ويمولون أطراف القتال بالسر، ويديرون معسكرات النازحين كإمبراطوريات خاصة، ويستوردون الوقود ويحتكرونه لرفع الأسعار، كل ذلك تحت غطاء الحرب وشرعنة الفوضى. كلما اقترب السلام، عملوا على إفشاله؛ لأن السلام سيكشف حساباتهم، ويجردهم من مكاسبهم غير المشروعة، ويعيد الموارد إلى الدولة لا إلى جيوبهم.

هؤلاء ليسوا أطرافًا عرضية في الصراع، بل هم العصب الحقيقي لاستمراره، وهم الدليل الأكثر إدانة على أن غياب الضمير تحول إلى اقتصاد كامل قائم على الحرب والموت.

اليمن اليوم ليس مملكة عظيمة بلا حارس، بل هو نموذج مرير لانعدام الضمير حيث تحول الأخ إلى عدو، والحليف إلى غادر، والقبيلة إلى سيف يقطع أرحام الجنوب، والمظلوم إلى ظالم يفوق من كان قبله. يعاني أهله بصمت تحت وابل من القنابل وصمت عالمي مخزٍ، وبسبب غدر بعض أبنائه قبل غدر الخارج.

ختام يمكننا القول ان الإنسانية اليوم أشبه بقلعة ضخمة أبوابها من ذهب، لكنها بلا حارس. السلاح، المال، القوانين، كلها بلا جدوى إذا مات الضمير.

والحل يبدأ من الفرد؛ إذ لا يصحو الضمير إلا حين ندرك قيمته ونقرر ألا نعود إلى الظلمات. والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا:
هل أنا الحارس في مملكتي الصغيرة؟ في بيتي، عملي، وشارعي؟
لأن المملكة الكبرى لا تقوم إلا إذا حرس كل فرد ضميره.