احمد عبد اللاه

العرب هم آخر الأمم التي لا يزال كثيرون فيها يبذلون جهودهم من أجل إعادة الدولة الدينية الشاملة وترحيل الحاضر بكل انجازاته إلى غياهب الضياع.

وقد اشتغل منظرو هذا التوجه لعقود على تشكيل عقول تتعامل مع الحياة الدنيا وقواعدها وصراعاتها بمفاهيم أخروية مطلقة، تنظر إلى الواقع باعتباره ممر نحو معركة كونية نهائية.

ويسعى الأصوليون إلى تغيير الحضارة الإنسانية لإعادة حكم الخليفة في المشرق والمغرب من الأورال إلى جنوب الأنديز ومن ألاسكا الى سهول أستراليا ومن جبال الألب إلى السافانا الأفريقية في معارك مقدسة لا نهائية تمتد حتى الأيام الأخيرة التي تسبق القيامة.

ولذلك يثابر المجاهدون على تدمير بلدانهم أولاً، سعياً إلى تحقيق الانهيارات المثالية لإسقاط الدولة الوطنية وإحداث صدمات كبرى حتى يصبح عقل الفرد مهيأ لتقبل حقائق لم يكن ليتخيلها في الظروف العادية. ثم تظهر العنقاء من بين الرماد و تخفق الرايات السوداء فوق ركام الشرق.

لقد جرى بناء الأيديولوجيات الراديكالية على امتداد عقود طويلة، وترسخت تبعاً لظروف المجتمعات والتحولات السياسية، فتمددت من بلد المنشأ إلى بلدان الحضانة لمواجهة موجة العروبة والقومية، ثم تضخمت أكثر في مواجهة المد اليساري، حتى تداخلت في آخر المطاف مع النسيج الاجتماعي والسياسي والحزبي العربي.

ومع الزمن تبلورت في بنية متعددة الطبقات: ممولون (دول ومؤسسات وأفراد)، ورجال دين وفقهاء وملالي، ومجاهدون وانتحاريون، وسياسيون و كراكيز تكنوقراط وإعلاميون… وكلما ظهر التعفن في بلد تسربت إليها طلائع الفوضى بحضور فيزيائي وافتراضي مدعومة بالتضليل وتزييف الحقائق تمهيداً لمهرجان الدم .

الحروب بإسم الدين لأهداف سياسية أو توسعية ليست حكراً على الديانات السماوية فحتى الفايكنغ المنحدرون من سفوح الدرع الإسكندنافي كانوا يذهبون لفتوحاتهم شرق وغرب أوروبا وهم يؤمنون بأن مقاتليهم سيخلدون في “فالهالا” حيث يجمع “الإله أودين” محاربيه ليعيشوا في النعيم.

وبينما تغيرت أدوات العالم بصورة حاسمة واتجهت القارات الصفراء والبيضاء والسمراء الى بناء العقول والتنمية وتطوير العلوم والمهارات وتحديث الدول وفتح أبواب القوى الكبرى أمام التعدد العرقي والثقافي، يذهب الشرقي الإسلامي والعربي في الاتجاه المعاكس نحو إحياء صراعات القرن الهجري الأول، أو تدمير الدول من أجل استدعاء خلافة لم تعد شروط العصر تتقبلها إلا في متاحف التاريخ.

وفي الزمن الأمريكي هذا تعيش الأنظمة العربية ثنائية ساخرة، إذ تتسابق لإرضاء ذلك العملاق الإمبراطوري والتقرب منه بشتى الوسائل، فيما ينشغل بعضها بصراعاته البينية من دون حساب لعواقب توظيف الأيديولوجيات المتطرفة كأدوات نفوذ، ودون اتعاظ من تجربة العقود التي شهدت ميلاد الوحوش القاتلة بإسم الدين.

لقد أخذت موجات الإسلام السياسي العرب، بعد حقبة الكولونيلات، من مكان سيئ إلى ما هو اسوأ، فيما تسعى قوى اقليمية إلى تعظيم مصالحها عبر تدمير الآخرين باستخدام الوسائل نفسها. ومن المفارقات أنه مع ازدهار النفوذ الأمريكي في الشرق ازدهرت أيضاً التنظيمات والأيديولوجيات المتطرفة.
إنها مرحلة تستحق تقييماً ساخراً فقد ساء المشهد إلى درجة أن العقول في زمن الفضاءات المفتوحة لم يعد لها أثر يذكر إلا في منابر ضيقة.

العنوان مستوحى من عمل غنائي ساخر للفنان زياد الرحباني