أحمد حرمل
يُقال غالباً إن السياسة هي “فن الممكن”.
غير أن المتأمل في هذا القول يجد أن الممكن متاح للجميع وأن إدراك الممكن ليس حكراً على السياسيين وحدهم، بل هو قدرة مشتركة بين الناس جميعاً.
فالتاجر يُحسن تقدير الممكن في صفقاته، والعامل يدركه في عمله، والموظف يستشعره في مهامه.
ولو كانت السياسة مجرد وعي بالممكن، لما كان للساسة وجود مبرر على الإطلاق.
من هنا، أرى أن السياسة ليس فن الممكن بل كيفية الأستفادة من الممكن لجعل اللا ممكن ممكنا.
فالفارق الحقيقي لا يصنعه من يرضى بالممكن فيحدوه، بل من يتعامل معه بعين مختلفة. فمن يقف عند الممكن يتخذه سقفاً يخاف تجاوزه، فيظل أسيراً لحدوده. وأما من يراه درجة أولى في سلم الصعود، فإنه يرتقي بهدوء ويمضي إلى ما هو أبعد.
السياسة، كما أفهمها، هي المقدرة على جعل الممكن جسراً نطاه نحو المستحيل.
هي أن تحول المأزق إلى مخرج، والوهن إلى قوة نفوذ، والخصم إلى موقف محايد ثم إلى حليف، واليأس إلى منبع أمل.
هي أن تزرع في أرض الواقع بذوراً لا يراها غيرك، فإذا بها تثمر في وقت لا تتوقعه.
الممكن ليس خط النهاية، بل هو مجرد البداية. من يقف عنده يصبح جزءاً من اللوحة، ومن يتجاوزه يصبح هو مَن يرسمها. ولهذا لا تُقاس عظمة السياسي بما حققه من الممكن، بل بقدرته على تحويل هذا الممكن إلى معبر نحو المستحيل، ليُعيد رسم حدود الواقع ويمنح الناس أفقاً جديداً لم يعرفوه من قبل.




