أحمد حرمل
من يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، كمن يبني صرحًا على رمال متحركة. التاريخ لا يرحم أسرى الماضي، ولا يمنح فرصة ثانية لمن يرفض التقدم.
فالنهر مهما اشتاق إلى منبعه، لا يمكنه العودة إليه، والمرء لا يستطيع أن يسبح في ذات ماء النهر مرتين.
العودة إلى الخلف ليست حنينًا جميلًا، بل قيود تُكبّل العقول وتعطل الطموحات.
إنها كمن يركب إطارات حراثة على سيارة فارهة؛ يقتل سرعتها، يشوه غايتها، ويحوّلها من آلة انطلاق إلى قطعة حديد عاجزة تئن تحت وطأة العبث.
فبدلًا من أن تكون السيارة رمزًا للانطلاق والقوة، تصبح مجرد هيكل مشوه لا يصلح إلا للمتحف (أو الخردة).
ومما يزيد الطين بلة أن الإصرار على عودة عجلة التاريخ إلى الوراء يحمل في طياته مساوئ كثيرة منها :
· تجميد الحياة، كمن يوقف نبض قلبه ظنًا منه أنه بذلك يتجنب الموت.
· تفويت فرص الحاضر، فالذي ينظر إلى الخلف باستمرار لا محالة سيتعثر بما أمامه.
· تحويل الطاقات إلى أحقاد، بدلًا من استثمارها في بناء الغد.
· نشر الإحباط واليأس بين الأجيال، لأنهم يُربّون على عبادة ما فات لا على صنع ما هو آت.
· تحنيط العقول، فتصبح أسيرة قوالب جامدة لا ترى في الجديد إلا تهديدًا، وفي المختلف إلا خطرًا.
· ضياع الهوية بين أمس لا يعود وغد لا يأتي، فيبقى الإنسان معلقًا في لا مكان ولا زمان.
ومن أشد المساوئ قسوة، أن المصرّ على عودة الزمن إلى الوراء لا يدرك أنه كلما تمسك بالماضي، ازداد الماضي ابتعادًا عنه، مثلما يبتعد الأفق كلما ركضت نحوه.




