أحمد حرمل

من بين الحقول والبيوت الطينية، ومن بين أصوات المزارعين ورائحة التراب، خرجت أعظم الشخصيات التي غيّرت وجه التاريخ، وكأن القرية هي رحم البطولة ومهد الإبداع. لم تكن القرية يوماً عيباً، بل كانت دائماً ذاكرة الأمة ومنبع العظماء.

ألم يأتِ الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر من صعيد مصر، ليقود أمة بأكملها نحو الكرامة والحرية؟ الم يخرج هوشي منه من قرية صغيرة في فيتنام ليصبح رمزاً للتحرر الوطني؟ وألم يولد غاندي في بلدة ريفية بالهند ليقود شعبه نحو الاستقلال بالسلم واللاعنف؟ بل حتى أبراهام لينكولن، رئيس الولايات المتحدة الذي أنهى العبودية، كان ابن كوخ خشبي في ريف فقير.

وليس القادة وحدهم، بل الأدباء والمفكرون أيضاً: فـ طه حسين، عميد الأدب العربي، خرج من أعماق ريف مصر ليصبح أحد أعمدة الفكر والنهضة.

وفرج فودة، المفكر الجريء الذي حمل هموم الناس وواجه التطرف بقلمه، كان ابن بيئة ريفية بسيطة، لكنه ارتقى ليصبح صوتاً عالياً في الدفاع عن الحرية والعقلانية.

وفيكتور هوغو، الذي نشأ في بيئة متواضعة، كتب “البؤساء” ليخلّد معاناة الفقراء ويحوّلها إلى أدب خالد. هؤلاء جميعاً يثبتون أن القرية ليست هامشاً، بل هي الأصل، وأن الريف ليس ضعفاً، بل قوة كامنة تتفجر حين تلتقي بالإرادة والوعي.

القرية هي المدرسة الأولى، وهي التي تُعلّم الصبر والكدح، ومنها يتخرج الرجال الذين يكتبون التاريخ بعرقهم ودمائهم، ويخطّون الأدب والفكر بأقلامهم ووجدانهم.

ما أشدَّ الأسى حين تفوح من بعض الأحاديث رائحة المناطقية، فيُحمَّل خطأ الفرد على كتفي منطقته بأكملها، وكأن الأرض تُنتج البشر كما تُنتج المصانع، وتُختم جباههم بأسماء مناطقهم.

يُردّدون كلمة “أصحاب القرية” استهزاءً، ويوجهونها نحو أبناء الضالع وردفان ويافع والصبيحة، متناسين أننا في زمن الذكاء الاصطناعي، زمنٍ صار فيه العالم كله قرية واحدة، والمسافة بين عدن ونيويورك لا تتجاوز ضغطة زر، والعلم لا يسأل عن مكان ميلادك قبل أن يفتح أبواب عقلك.

أيُّ تناقضٍ هذا؟ نفس الألسنة التي تتهكّم على أبناء تلك المناطق، تضع أبناءها في مقاعد الدراسة أمام أساتذة من تلك القرى، ونفس الشفاه التي تهمس بالمناطقية تُسلّم جسد مريضها لطبيب من تلك المناطق لأنه الأقدر والأمهر والأكثر أمانة.

نسوا أن معظم الهيئة التعليمية في جامعة عدن من أبناء تلك القرى، وأن معظم الأطباء في مشافي عدن من أبنائها، يقدمون خدمة طبية وعلاجية لمن يسخر منهم.

المناطقية سلوك مقيت، ومرض قديم، لكنه يبدو أشد قبحاً في زمن صار فيه الولاء للكفاءة والضمير والعمل، لا للاسم العائلي ولا لرقعة الجغرافيا. فالوطن لا يُبنى بشتم القرى، بل بتكريم كل من يعمل فيها ومن أجلها. عدن لم تكبر بأسوارها، بل بأطبائها ومعلميها ومهندسيها الذين جاءوا من كل قرية وجبل ووادٍ، فصاروا هم السور الحقيقي.

وليس هذا فحسب، بل إن أبناء الضالع وردفان ويافع والصبيحة قدّموا عبر مختلف المراحل التاريخية أغلى التضحيات، بذلوا خيرة رجالهم وفلذات أكبادهم دفاعاً عن الوطن، فكانوا دماءً تسقي شجرة الحرية، وأرواحاً تُشيّد جدار الكرامة.

تلك التضحيات ليست مجرد ذكرى، بل هي شاهد حيّ على أن القرية ليست عيباً، بل منبع بطولة وفداء.

فإذا أردت أن تعرف معدن الرجل، لا تسأله: من أين أنت؟ بل اسأله من انت ماذا قدّمت حيث أنت؟ وإذا أردت أن تقيس وعي شعب، فانظر كيف يتحدث عن جاره؛ فالشعوب العظيمة لا تسخر من القرى، بل تفخر بأن أبناءها صاروا منارات فيها.

القرية اليوم ليست عيباً، بل هي الذاكرة والأصل والمدرسة الأولى.
والعار كل العار أن يتخرّج المرء من الجامعة على يد من يسمونهم أبناء القرية، ثم يعود ليرميها بالحجارة.