قادري أحمد حيدر
لا يمكننا عزل أزمة الارتفاع العالمي في أسعار النفط والغاز والمواد الأساسية -كالأسمدة- عن السياق السياسي الذي يُحمل – بعضهم- إيران مسؤولية إغلاق “مضيق هرمز”؛ حيث تتصاعد الأصوات التي تتهمها بتجاوز قانون البحار، وتطالبها بفتحه بذريعة أن إغلاقه عمل غير قانوني ولا إنساني يهدد مئات السفن العالقة وحياة قرابة 20 ألف بحار يعيشون حالة حصار، فيما يُوصف بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي.
اليوم، تحول منظرو الأيديولوجية الاستعمارية، إلى محللين استراتيجيين، يظهرون حرصاً مفاجئاً على إنفاذ القانون الدولي، لكنهم ينطلقون من قراءة مجتزأة وانتقائية لمفاهيمه. فأين كان هذا “العقل القانوني الاستراتيجي” من العدوان الأمريكي-الصهيوني على إيران، الذي نُفذ خارج إطار القانون الدولي وضده؟
لقد تم شن عدوان عسكري في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات جارية، وهو عدوان استهدف مدارس الأطفال والنساء، ودمر البنى التحتية والاقتصادية، واغتال قيادات سياسية في أعمال عدوانية وصلت إلى حد فرض حصار عسكري مطبق على الموانئ الإيرانية التي تمثل العصب الاقتصادي للبلاد.
إننا أمام سياسة تجويع ممنهجة تمنع عن الشعب الإيراني أبسط مقومات البقاء، من تصدير النفط وصولاً إلى الاحتياجات الأساسية. فأين يختبئ القانون الدولي أمام اختطاف رئيس دولة من بلاده ومحاولة محاكمته في بلاد المجرم المختطف، إلى جانب جرائم غير قانونية، ولا إنسانية اط تُرتكب بحق شعوب عديدة، مثل كوبا المحاصرة منذ ستة عقود؟
إن المنطق الاستعماري يوجه اللوم للضحية (المعتدى عليه)، بينما يلوذ بالصمت تجاه القاتل (المعتدي)، في محاكمة جائرة تبرئ المجرم وتدين الضحية.
إننا نواجه معادلة سياسية مقلوبة تفتقر للعقل والمنطق؛ حيث يسعى الطرف الأمريكي من خلال المفاوضات مع إيران إلى فرض سياساته وأجنداته الخاصة، ملوحاً بالعودة إلى خيار الحرب المدمرة والشاملة.
هي مفاوضات صُممت على “المقاس الأمريكي”، وتطالب الطرف الإيراني بالاستسلام والرضوخ، مما يعكس عقلية استعمارية متجددة لا تؤمن بالحوار، بل تنظر للمفاوضات كإملاءات يفرضها القوي على الضعيف. ومن هنا، يبرز استعصاء المسار التفاوضي الحالي بين إيران والولايات المتحدة.
في تقديري أن كل ما سبق الإشارة إليه هو من تداعيات الحرب العدوانية الأمريكية الصهيونية المستمرة على إيران. صحيح أن أهداف جدول أعمال الحرب العدوانية على إيران لم تتحقق، وهي أهداف مشتركة بين أمريكا والكيان الصهيوني، إلا أن الصحيح كذلك هو أن المستفيد الأعظم من الحرب وضرورة استمرارها هو الكيان الصهيوني بدرجة أساسية. بل إن الضغوط الصهيونية على ترامب من الداخل الصهيوني المحيط به، ومن اليمين الصهيوني في الكونغرس، ومن الطغم المالية والعسكرية، ومن “الإيباك” الصهيوني، هي ليس فقط من يقف وراء تطويل أمد الحرب وعدم إيقافها، وأمام تعويق المفاوضات، بل ومن يقف بالفعل وراء إعلانها.
ومن هنا إصرار الكيان الصهيوني على استمرار الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني وتفكيكه وتقسيمه حتى إلحاقه بالتبعية الأمريكية الصهيونية، وعودة ما يشبه نظام الشاه الصهيوني الواقف في الطابور والانتظار للعودة للحكم.
لقد صور غرور قوة الوهم الأمريكي الصهيوني أن إيران لن تتحمل حرب العدوان عليها لأكثر من ثلاثة أيام أو أسبوع، وأن النظام سيسقط خاصة بعد اغتيال رأس الدولة السياسي والروحي “الولي الفقيه” وأكثر من 40 قائداً عسكرياً وسياسياً، وكانت المفاجأة صاعقة ومخيفة ومحيرة ومربكة لقوى العدوان. دولة محاصرة لأكثر من 47 سنة وعليها الآلاف من العقوبات المالية والاقتصادية والعسكرية وتخرج بهذه القوة الصناعية والعلمية، والتكنولوجية والعسكرية، بل والقدرة على الصمود في مواجهة أعظم قوة عسكرية في العالم ومعها قوة دويلة الكيان الصهيوني (سادس أو سابع جيش في العالم)، وهو حقيقة ما لم يكن في حسبان أحد من المحللين الاستراتيجيين على الإطلاق.
خِيضت الحرب العدوانية على إيران بذريعة زائفة هي محاولة امتلاكها السلاح النووي والتخصيب النووي والأسلحة الصاروخية الباليستية… إلخ، نفس ذريعة غزو واحتلال العراق 2003م. وخرجت إيران من جحيم العدوان حاملة ورقة ضغط وقوة إضافية هي “مضيق هرمز” و”الحاضنة الشعبية الداخلية”، بعد أن تحول “مضيق هرمز” إلى قضية سياسية واقتصادية عالمية، بل وإعلان إيران نقاطها العشر والأربع عشرة على أمريكا ورافضة الذهاب لرابع مرة إلى مفاوضات تحت الحصار والتهديد، غير آبهة بـ “الصدمة والرعب” الأمريكية بالحرب والعدوان على كل شيء في إيران وإعادتها إلى العصر الحجري كما أعلنها ترامب.
إنها حسب هيجل “جدلية تفاؤل الإرادة” حين تهزم تشاؤم الفكر وانحطاط الواقع.
كل المقاومات في التاريخ السياسي العالمي لم تكن متناظرة، بل لم تكن حتى في الحد الأدنى من التكافؤ، ومع ذلك انتصرت. ما يرعب ترامب وجهازه السياسي الحاكم هو هذا الإصرار الإيراني على المقاومة والصمود في وجه أعتى وأكبر قوة عسكرية في العالم. أربعون يوماً من العدوان العسكري المباشر استخدم فيه كل ألوان الوحشية والبربرية على الدولة والشعب الإيراني، بعد أن طال العدوان الأمريكي الصهيوني كل شيء في إيران: مدارس الأطفال، والمستشفيات، ومحطات الكهرباء، والمصانع الحيوية الاستراتيجية، حتى الآثار والأماكن المقدسة والمواقع النووية، ومع ذلك تصر القيادة الإيرانية على عدم “تجرع سم التسوية” المنقوص.
إنها قوة تفاؤل الإرادة؛ من يقف خلف كل ذلك الإصرار على الصمود والحفاظ على الكرامة السياسية الوطنية والسيادة والاستقلال. وفي تقديري، أن صمود إيران عسكرياً أمام هذا الطاغوت البربري والوحشي هو قمة الانتصار السياسي، هو انتصار أخلاقي، انتصار للقيم والمثل العليا، انتصار لحق الشعوب في رفض ومقاومة العدوان كحق سياسي وقانوني مشروع بدلاً من حالة الانحطاط السياسي العربي الراهنة، المشاركة ضمنياً في العدوان على إيران من خلال القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة العربية لحماية إسرائيل، وهي القواعد التي لم تستطع أن تحميها من القصف الإيراني عليها وتركتها وحيدة، وهو الدرس الذي يجب أن تخرج به ومنه هذه الأنظمة من هذه الحرب تحديداً، بدرس هو ضرورة التفكير الجدي ببناء نظام إقليمي مشترك بين جميع دول المنطقة العربية وإيران وتركيا وباكستان بعيداً عن التبعية السياسية والاقتصادية، وبعيدا عن القواعد الأجنبية.
ولكن يبدو أنه حتى هذا الدرس القاسي سياسياً وعسكرياً ووطنياً على دول الخليج تحديداً، لم يوصلها إلى قناعة بضرورة التفكير الجدي في التخلص من القواعد الأمريكية التي يصرف عليها من المال العربي الخليجي.
إيران اليوم تحاول ليس طرح نفسها كقوة إقليمية فحسب، بل وفرض وجودها السياسي كقوة مشاركة في صياغة مستقبل المنطقة بل والعالم الجديد الذي يتشكل من قلب أتون هذه الحرب.
اليوم “مضيق هرمز” تحت الحماية الإيرانية ولم يعد ممراً دولياً كما كان طيلة عقود مضت، ويمكن -أقول يمكن- أن يتحول إلى مورد مالي اقتصادي لإيران وعمان في قادم الأيام. ويوماً عن يوم ينخفض سقف الشروط والمطالب الأمريكية والصهيونية، ويرتفع سقف المطالب الإيرانية.
يكفي القول إن الحرب العدوانية على إيران كشفت هشاشة القوة العسكرية الأمريكية ومرغت هيبتها أمام العالم في الوحل، آخرها إيقاف ما أسماه ترامب “مشروع الحرية”، وهو في الحقيقة مشروع عسكري لفرض المنطق الاستعماري، والذي سقط بعد أربع وعشرين ساعة فقط من إعلان قيامه تحت قوة إرادة الصمود والردع الإيرانية.
كما أن هذه الحرب العدوانية كشفت مدى الانقسام في العالم الغربي الرأسمالي، ورفض أوروبا المشاركة في هذه الحرب بعد مطالبات أمريكية متكررة من ترامب لها في مواجهة دولة وحيدة امتلكت إرادتها بيدها وقررت المقاومة حتى النهاية في وسط حصار إقليمي ودولي. والأهم أن هذه الحرب كسرت إلى حد ما نظام العقوبات الدولية، مؤكدة أن النظام القديم فقد كل مقومات قدرته على الاستمرار وعلى المقاومة.
لقد أكدت هذه الحرب العدوانية على إيران أن للقوة حدوداً، وأن القوة العسكرية لوحدها غير مؤهلة للتقدم وفرض الإنجاز والانتصار على أي مستوى كان. وبهذا المعنى يكفي القول إن إيران انتصرت على العدوان الأمريكي الصهيوني حتى لو انهزمت عسكرياً.
إن الحرب ونتائجها تطرح ضرورة صناعة وميلاد نظام جديد إقليمي ودولي.. نظام متعدد القطبية.
فهل يتعظ ويعتبر النظام السياسي العربي من كل ذلك، ويعيدون ترتيب وتنظيم أنفسهم بصورة جديدة تليق بشعوب المنطقة العربية ومستقبلها المنشود؟
ختاماً، أرى أن المتغيرات التي فرضتها هذه الحرب العدوانية تفرض على إيران مراجعة جذرية لسياساتها تجاه المنطقة العربية. يتطلب الواقع الجديد صياغة علاقات قائمة على احترام حسن الجوار والسيادة الوطنية، والابتعاد عن نهج “تصدير الثورة” بأبعاده المذهبية. كما يقتضي الأمر أن يظل دعم القضية الفلسطينية هدفاً مبدئياً سامياً، بعيداً عن أي توظيف سياسي قد يمس أمن الدول العربية أو استقرارها. إنها ضرورة تمليها وقائع الحرب التي لم تستثنِ أحداً، متجاوزةً الحدود لتطال الجميع.
والله من وراء القصد.




