كريتر نت – متابعات
شهدت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، أفرزت أزمات مركبة تتطلب تدخلًا دبلوماسيًا نشطًا من الدول الإقليمية ذات النفوذ، وعلى رأسها مصر وسلطنة عمان. تأتي الوساطات التي تقودها هاتان الدولتان في غزة واليمن لتشكل محورًا أساسيًا في الحفاظ على استقرار المنطقة واحتواء التصعيد، في وقت تشهد فيه الساحة الإقليمية تحولات مفاجئة، وصراعات متعددة الأبعاد.
وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيره العماني، بدر البوسعيدي، في اتصال هاتفي الثلاثاء، على أهمية تعزيز الحوار البنّاء بشأن التطورات الإقليمية والدولية، مشددين على ضرورة تنسيق المواقف بين البلدين.
وأوضح بيان الخارجية العمانية أن المحادثة تناولت سبل تعزيز التعاون الثنائي والبناء على ما تحقق من تقدم في العلاقات بين القاهرة ومسقط.
وقد أعرب الجانبان عن توافق رؤاهما تجاه القضايا الإقليمية والدولية، مؤكدين على أن التنسيق المستمر ضروري لمواجهة تحديات المنطقة المتنامية.
وتأتي هذه الاتصالات في سياق علاقات تاريخية بين مصر وسلطنة عمان، قائمة على الحوار المستمر والتفاهم المشترك حول مختلف الملفات الإقليمية، وهو ما يعكس حرص البلدين على لعب دور فاعل في معالجة الأزمات، بما يتجاوز مجرد التحركات الدبلوماسية التقليدية.
وتلعب مصر دورًا محوريًا في قطاع غزة، خاصة منذ اندلاع حرب أكتوبر 2023، والتي اتسمت بتصعيد واسع أدى إلى أزمة إنسانية وسياسية كبيرة.
وقد انخرطت القاهرة منذ البداية في جهود وساطة مباشرة بين الفصائل الفلسطينية وقطر والولايات المتحدة، سعياً لإبرام اتفاقيات وقف إطلاق النار وإيجاد حل سياسي للأزمة.
ورغم التقدم في بعض الملفات، لا تزال الوساطة المصرية تواجه عراقيل عديدة، أبرزها الخروقات الإسرائيلية المتكررة التي تعرقل تنفيذ الاتفاقات، وتزيد من تعقيد المشهد على الأرض. كما أن الانخراط التركي في هذا المسار التفاوضي أضاف بعدًا جديدًا، يتطلب تنسيقًا دقيقًا بين الأطراف لضمان استمرار وقف التصعيد وتحقيق تقدم ملموس.
وترتبط الوساطة المصرية باستراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي ومنع تحول النزاع الفلسطيني الإسرائيلي إلى صراع إقليمي أوسع.
وفي هذا الإطار، تحرص مصر على توسيع قنوات الاتصال مع جميع الأطراف الفاعلة، بما في ذلك الفصائل الفلسطينية والدول الكبرى، لضمان توافق شامل على خطوات الحل السياسي والأمني.
وعلى صعيد آخر، تلعب سلطنة عمان دورًا مهمًا في ملف اليمن، عبر وساطاتها المتواصلة بين الحكومة الشرعية والحوثيين على مدى سنوات. وقد أثبتت عمان قدرتها على فتح قنوات تواصل مع جميع الأطراف اليمنية، بما في ذلك الفصائل الأقل تقبلاً للحلول السياسية التقليدية.
لكن الوضع في اليمن يشهد تصعيدًا جديدًا نتيجة تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة، ورفضه سحب قواته منهما منذ بداية ديسمبر الجاري.
ويعكس هذا التوتر هشاشة التوازن السياسي في اليمن، ويضع عمان أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على مسار الوساطة مع الحوثيين والحكومة الشرعية، وفي الوقت نفسه، التعامل مع التوترات الداخلية التي تهدد أي اتفاق مستقبلي.
وتتميز الوساطة العمانية بمرونتها وقدرتها على بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، وهو ما منحها دورًا فريدًا في مسارات حل النزاعات اليمنية، مقارنة بمحاولات وساطة أخرى غالبًا ما تواجه صعوبات نتيجة انعدام الثقة أو التدخلات الإقليمية المباشرة.
ويمثل التنسيق بين مصر وعمان مثالًا على كيفية توظيف الوساطة الدبلوماسية كأداة لتحقيق الاستقرار الإقليمي. ففي غزة، تتكامل جهود الوساطة المصرية مع الدبلوماسية العمانية غير المباشرة، التي تهدف إلى تخفيف التوترات عبر قنوات الاتصال المفتوحة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
وفي اليمن، يمكن لمستوى التنسيق العماني-المصري أن يعزز من فعالية الجهود المبذولة لإعادة الشرعية وتحقيق التوازن الإقليمي.
ويظهر هذا التنسيق في الاجتماعات الدورية والاتصالات الهاتفية بين مسؤولي البلدين، بالإضافة إلى التشاور المستمر حول استراتيجيات التعامل مع الأزمات المستجدة، وهو ما يعكس وعي البلدين بأهمية التعاون المشترك في إدارة ملفات معقدة وحساسة، تتطلب نهجًا دبلوماسيًا متقدمًا.
وعلى الرغم من النجاحات، تواجه وساطات مصر وعمان تحديات عدة. في غزة، الخروقات الإسرائيلية المتكررة للعقود المبرمة تهدد استدامة أي وقف لإطلاق النار، وتخلق أجواء من عدم اليقين تؤثر على العمليات الإنسانية وإعادة الإعمار. كما أن الضغوط الداخلية للفصائل الفلسطينية على مصر تزيد من صعوبة إدارة الحوار بطريقة متوازنة.
وفي اليمن، عدم التزام بعض الأطراف المحلية بالمخرجات التفاوضية يعقد جهود الوساطة، ويضع عمان أمام تحدٍ كبير لضمان استمرار الحوار.
و إلى جانب ذلك، تتداخل المصالح الإقليمية لقوى إقليمية أخرى، ما يزيد من صعوبة توحيد الرؤى حول الحلول السياسية المتاحة.
وتُظهر جهود مصر وعمان أن الوساطة ليست مجرد أداة دبلوماسية لحل نزاع محدد، بل هي عنصر استراتيجي لإدارة الاستقرار الإقليمي. فالنجاح في قطاع غزة أو اليمن لا يعني مجرد إنهاء صراع مؤقت، بل يساهم في بناء بيئة سياسية وأمنية أكثر استدامة، تقلل من احتمالات التصعيد المستقبلي، وتوفر أرضية لتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.
وتعكس هذه الجهود أيضًا قدرة الدولتين على التحرك ضمن بيئة إقليمية معقدة، تتسم بتشابك المصالح الدولية والإقليمية، وتعدد الفاعلين السياسيين والعسكريين.
وفي هذا السياق، يعد التنسيق المصري-العماني نموذجًا يحتذى به لكيفية بناء توازن دبلوماسي فعال يحقق أهداف السلام والاستقرار.
ويمكن القول إن وساطات مصر وعمان في غزة واليمن تمثل ركائز أساسية للجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة وصراعات متعددة المستويات.
ويظهر التنسيق بين البلدين قدرة على إدارة الأزمات بحنكة، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز الحوار البناء والتفاهم بين الأطراف المعنية.
كما أن هذه الوساطات تؤكد على أن الحلول المستدامة للأزمات الإقليمية لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن التنسيق بين الدول الإقليمية المؤثرة، وأن الاستراتيجيات القائمة على الوساطة والمرونة الدبلوماسية هي الأكثر قدرة على التعامل مع التعقيدات المحلية والإقليمية والدولية.
وفي النهاية، يبقى الدور المصري والعماني محوريًا في رسم ملامح الاستقرار في الشرق الأوسط، سواء في غزة أو اليمن، وسط أزمات متشابكة وتوترات مستمرة، ما يجعل من فهم هذه الوساطات وتحليل ديناميكيتها أداة ضرورية لتقييم مستقبل الأزمات الإقليمية وسبل إدارتها.




