كريتر نت – الحرة
في العاصمة الأردنية عمّان، جلس السعوديون والحوثيون وجها لوجه في أحدث لقاء معلن بين الطرفين.
ففي 19 و20 أبريل الجاري، عقد مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن اجتماعات ضمن لجنة التنسيق العسكري، جمعت ممثلين من الرياض وصنعاء لبحث خفض التصعيد ومواصلة الحوار الأمني.
ورغم أن الاجتماعات عُقدت في إطار فني أممي، فإنها اكتسبت وزنا سياسيا واضحا.
فقد قدمها الحوثيون لجمهورهم بوصفها لقاء مباشرا مع السعودية، “من دون مرتزقة العدوان”، في إشارة إلى الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.
وفي المقابل، عكست بالنسبة إلى الرياض استمرار قناة التواصل مع الحوثيين، حتى بعد انخراط الجماعة المتأخر في التصعيد الإقليمي أواخر مارس، عقب اندلاع الحرب بين أميركا وإسرائيل، وإيران.
وقبل ذلك بأيام، نشرت صحيفة إسرائيل هيوم تقريرا ربط تأخر دخول الحوثيين المواجهة بترتيبات مالية ضمن “خارطة الطريق” مع السعودية، مستندةً إلى رواية صحفي يمني قال إن الجماعة انتظرت وصول أموال مخصصة للرواتب قبل الانخراط في القتال.
غير أن هذا الربط بقي بلا تأكيد مستقل، إذ لم يصدر ما يدعمه من مصادر سعودية أو أممية. ومع ذلك، فإن استمرار القنوات المباشرة مع الحوثيين يطرح سؤالا أوسع: هل أعادت الرياض تعريف أولوياتها في اليمن؟
يجيب عبدالصمد الفقيه، مدير مركز واشنطن للدراسات في حديثه لـ”الحرة”، بأن ما يجري “ليس تحولا سعوديا” بقدر ما هو استمرار لمسار بدأ مع “خارطة الطريق” قبل سنوات، حين بدأت الرياض تتعامل مع الملف اليمني بوصفها وسيطا أكثر من كونها طرفا في حرب مفتوحة.
في رأيه، تبدو اللقاءات الأخيرة جزءا من ترتيبات سابقة “لا تغيرا حقيقيا”، حتى وإن بدا ذلك مستغربا لكثيرين، خصوصا بعد أن أعادت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية.
فالمملكة لا تبحث عن تطبيع سياسي مع الحوثيين، ولا عن اعتراف كامل بهم، بل عن صيغة تمنع عودة الحرب إلى حدودها.
فمنذ الهدنة الأممية عام 2022، انتقلت الرياض تدريجيا من منطق المواجهة المفتوحة، التي بدأت مع “عاصفة الحزم” في 2015، إلى منطق الاحتواء.
ففي سبتمبر 2023، استقبلت الرياض وفدا حوثيا في أول زيارة رسمية من نوعها إلى المملكة منذ اندلاع الحرب.
خلال تلك الزيارة، التقى وفد الحوثيين بوزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان ، واستمرت المحادثات على مدى خمسة أيام قبل إعلان المسؤولين الحوثيين عن اختتام زيارتهم والعودة إلى صنعاء.
ورحبت السعودية حينها بما وصفته بـ”النتائج الإيجابية” للنقاشات الرامية إلى دعم خارطة طريق لعملية السلام في اليمن.
وبعدها بشهرين، في ديسمبر 2023، أعلن المبعوث الأممي هانس غروندبرغ التزام الأطراف بخارطة طريق تشمل وقفا شاملا لإطلاق النار، واستئناف صادرات النفط، وتخفيف القيود على مطار صنعاء، وميناء الحديدة وهو أهم منفذ بحري في مناطق سيطرة الحوثيين.
وبعد عامين، وفي ديسمبر الماضي، شهدت مسقط صفقة تبادل واسعة للأسرى والمحتجزين شملت 2900 شخص، بينهم سبعة سعوديين.
في القراءة السعودية للمشهد، لم يعد الرهان على تغيير الحوثيين أيديولوجيا أو فصلهم بالكامل عن إيران، بل على ضبط سلوكهم أمنيا بما يضمن حدود هادئة، وصواريخ لا تعود إلى المطارات، ويمن لا يتحول إلى منصة دائمة للاستنزاف.
وهذا ما يربطه الفقيه، بحسابات سعودية أوسع، إذ يقول إن طول الحرب جعل اليمن “عبئا على الجميع داخليا وخارجيا”.
ومن نفس المنطلق، يرى المحلل السياسي والمستشار الدولي، أحمد الخزاعي، في حديثه لـ”الحرة” أن انتقال السعودية من المواجهة المباشرة إلى التهدئة لا يعني قبولا بميزان قوى جديد في اليمن، بقدر ما يعكس “إدارة الصراع بطريقة مرنة”، تسمح للرياض بتقليل الكلفة الأمنية والسياسية للحرب، وإعادة توجيه طاقتها نحو أولويات استراتيجية أخرى مثل التنمية الاقتصادية ورؤية 2030.
لكن هذا المسار لا يتحرك في فراغ ، فالحوثيون لم يعودوا مجرد جماعة محلية تسيطر على صنعاء، بل راكموا قدرة عسكرية وسياسية تجعل تجاهلهم مكلفا.
فمنذ توسع حرب غزة إلى البحر الأحمر، انخرطت الجماعة في مواجهة إقليمية مع إسرائيل، وعرّضت الملاحة الدولية لضغوط غير مسبوقة، وتلقت ضربات أميركية، قبل أن تدخل لاحقا في تفاهم مع إدارة ترمب لوقف استهداف السفن الأميركية. لذلك، لا تبدو الرياض وكأنها تراهن على الحوثيين بقدر ما تراهن على تقييد هامش حركتهم.
يقول الخزاعي إن السعودية تدرك أن الحوثيين جزء من شبكة النفوذ الإيراني، ولذلك تتعامل معهم “بمنطق إدارة النفوذ لا بمنطق التسليم”، واضعة هوامش أمان وضمانات إقليمية ودولية لأي تفاهم محتمل.
والحكومة اليمنية نفسها لا تطرح سردية بعيدة كثيرا عن المقاربة السعودية. فهي تقول إن السلام مع الحوثيين خيار قائم، لكنها تربطه بانخراط الجماعة في العملية السياسية، مع إبقاء “الجاهزية الأمنية والعسكرية” مطروحة إذا رفض الحوثيون ذلك، كما قال عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي خلال لقائه بالسفيرة البريطانية لدى اليمن في الرياض قبل أيام.




