احمد عبد اللاه

“البلد لكل أبنائه”.. ليست فكرة سياسية مبتكرة ولا شعار يستحق الاحتفاء به، وإنما بديهية تشبه حقيقة أن الارض تدور.. فحتى المريخ لو كان له أبناء سيكون لكل المريخيّين…

أصبحنا اليوم في مشهد يعاد فيه تعريف البديهيات لخلق شعارات سياسية بمضامين جوفاء.

الاختلاف والتنوع والتعدد سمات طبيعية في كل مجتمعات العالم، في استقرارها كما في أزماتها.. وهذه حقائق لا تحتاج إلى إعادة اكتشاف أو إعادة تعريف.

وحين تواجه الشعوب قضايا مصيرية فإنها لا تبحث عن مسارات ملتبسة وإنما تلجأ إلى وسائل مشروعة وواضحة:
استفتاءات عامة في ما يتصل بمستقبل البلد ومصيره… أو انتخابات في ما يتعلق بادارة الحكم وآلياته…

أما الحوار فهو قيمة حضارية كبيرة مطلوبة في كل زمان وفق ما تقتضيه الحاجة حتى وإن جرى برعاية أطراف إقليمية أو دولية، بشرط الحياد الكامل وسلامة النوايا وان لا تكون للأطراف الراعية أهداف مسبقة أو موقف عدائي تجاه كيان أو تيارات بعينها.

فالحوار من حيث المبدأ يهدف إلى تضييق الخلافات وبناء التوافق حول قضايا معينة، لكنه في جوهره (وهذا هو الأهم) لا يملك أن يقرر نيابة عن الشعب، فحتى الدساتير إن تم إعدادها لا تكتسب مشروعيتها إلا عبر استفتاء فكيف بما هو أبعد من ذلك وأشد خطورة في النتائج؟

أما حين تنتزع القضايا المصيرية عنوة من فضائها الشعبي الطبيعي و تنقل إلى ضيافة خارجية، لا يبرح فيها المتحاور مكانه حتى ينتهي المضيف من إعادة تكييف المشهد خدمة لأهدافه الخاصة، فذاك ليس سوى أحد أكثر نماذج الكوميديا السوداء وجعاً…

فمن أخلّ بميزان الحياد على أرض المتحاورين وكسره لصالح خصومهم ثم أعاد صياغة القواعد بما يخدم مشاريعه هو، فإنه كعادته لا يتبنى قضايا الشعوب ولا يحمل رؤية منصفة وإنما يدير فاصل حواري لكي يُلبس المتغيرات شرعية المتحاورين، بهدف خلق ما تسمى بـ”قضية الظل”، تلك الحاضرة في الخطاب لكنها تفرغ من جوهرها وتُصعف قواها الفاعلة على الأرض. وفي التاريخ عِبَر شتّى…

هناك شعب حيّ، حاضر بدمائه الطرية وليس أطلالاً من إرم ذات العماد (أطلانطس الصحراء). وهناك مخاوف مشروعة، مضروبة في عشرة، من محاولة احتواء القضية باسم الحوار وهضمها داخل مسار عام توضع أهدافه خارج إرادة الناس وتطلعاتهم.

وهناك كتل نخبوية و شعبية واسعة جداً يتملكها عدم اليقين ليس وفق أيديولوجية الضحية ولكن بوعي التاريخ وتجارب مريرة ومتراكمة، فينبغي احترام العقول التي تؤمن بأن ضرب التوازنات على الأرض لا يصنع سلاماً ولا يحقق مشروعاً، وتلك حقيقة تتفوق على تأثير اللحظة السياسية التي يجري استغلالها لزعزعة ثقة الناس بأهدافهم.

وعودة إلى حكاية “لكل أبنائه”، فإنه يتعين في المقابل احترام رأي وموقف الكتل الشعبية الكبيرة في الميادين والنخب واسعة الطيف ذات الرأي الثابت. أليس البلد للجميع؟ أم أنه شعار ظرفي محدود الصلاحية حين يخرج عن الاتجاه المطلوب؟