كريتر نت – متابعات

في الوقت الذي يفضّل فيه كثيرون تغيير طريقهم لمجرد رؤية أفعى على بُعد أمتار، اختارت الأردنية هبة الدعجة أن تمشي في الاتجاه المعاكس: نحو الخوف نفسه.

منذ كانت طفلة، جذبتها هذه الكائنات التي تجمع بين الرهبة والغموض. قرأت وراقبت ودوّنت، حتى أصبحت قادرة على التمييز بين الأنواع السامة وغير السامة، وفهم سلوكها وكيفية تفاعلها مع البشر. ومع مرور السنوات، تحول الفضول الأول إلى خبرة ميدانية، صقلتها التجارب في البيوت والمزارع والحقول.

اليوم، تتعامل الدعجة مع بعض أخطر أنواع الأفاعي المعروفة في الأردن، بينها أنواع تصنف ضمن الأشد سمّية عالميا.

لكنها لا تقدم نفسها بوصفها “مغامِرة”، بل كمن يحاول تحويل المعرفة إلى أداة إنقاذ، ونقل خبرتها من الميدان إلى الناس، لتغيير نظرة المجتمع وبناء وعي حقيقي حول الأفاعي ودورها في البيئة.

تقول الدعجة للجزيرة نت، بينما تلتف حول عنقها أفعى من نوع “الأرقم الصحراوي”، إنها “عشقت عالم الأفاعي ودرسته جيدا”، مؤكدة أن التعامل معها “ليس مجالا للتجربة أو الفضول”، وأن الاقتراب من الأفاعي يجب أن يكون حكرا على من يمتلك معرفة كافية وتدريبا ملائما.

أنواع شديدة السمّية.. ومعرفة تفصيلية بسلوكه

تتعامل الدعجة مع عدد من الأنواع السامة المنتشرة في الأردن، من بينها ما يعرف محليا بـ”الخبيث الأسود”، الذي يعد من أخطر الأفاعي في المملكة، إذ ينشط ليلا ويمتلك سمّا قد يسبب الوفاة في وقت قصير، بالإضافة إلى قدرته على الطعن بأنيابه حتى مع إغلاق فمه، بحسب ما تؤكد.

كما تتعامل مع “أفعى فلسطين” المنتشرة في الأغوار والمناطق الشمالية، ويعرف عن سمّها أنه “نخري” يسبب تلف الأنسجة وتورما حادا في مكان اللدغ، إلى جانب “أفعى الحراشف الثلاثة” شديدة السمية، رغم توفر مصل مضاد لها في المراكز الصحية.

وتحذر الدعجة من أن نشاط الأفاعي يتزايد في فصلي الربيع والصيف، مع خروجها من حالة الخمول الشتوي، ودخولها موسم التزاوج. في هذه الفترة تصبح الأفاعي أكثر حركة، وقد تصل إلى محيط المنازل أو داخلها بحثا عن مأوى أو غذاء.

وتوضح أن الأفاعي السامة تنشط في الغالب ليلا، وأن سلوكها في الأصل دفاعي لا هجومي، فهي لا تسعى إلى مهاجمة الإنسان، لكنها تلدغ عندما تشعر بالخطر أو عند محاولة الإمساك بها أو إزعاجها، مشيرة إلى أن “معظم حالات اللدغ تحدث لأن الإنسان هو من يقترب أولا”.

لدغات قاتلة وجهل بطريقة التعامل

تقول الدعجة إن جزءا كبيرا من خطورة لدغات الأفاعي في الأردن لا يعود فقط إلى سمّيتها، بل إلى غياب الوعي بطريقة التعامل مع الحالة. وتضيف: “شهدنا حالات وفاة كثيرة، ومعظمها بين الأطفال، بسبب جهل الأهل والمحيط بما يجب فعله بعد اللدغ”.

وتشدد على ضرورة معرفة الخطوات الأساسية في التعامل مع لدغة الأفعى: الحفاظ على هدوء المصاب قدر الإمكان، تجنب الحركة غير الضرورية التي تسرع انتشار السم في الجسم، وعدم الاعتماد على الوصفات الشعبية مثل ربط الطرف بقوة أو محاولة “مصّ” السم، والانتقال فورا إلى أقرب قسم طوارئ.

وتؤكد الدعجة أن الجهات الصحية في الأردن توفر الأمصال المضادة في المستشفيات والمراكز الصحية المختصة، وأن احتمالات النجاة والعلاج الجيد تكون مرتفعة عندما تتبع الإجراءات الصحيحة بسرعة.

38 نوعا من الأفاعي.. والخطر في نقص الوعي

يضم الأردن -وفق ما تشير الدعجة- نحو 38 نوعا من الأفاعي، لا تتجاوز نسبة السام منها 7%. لكن هذه النسبة الصغيرة كافية لإثارة خوف عام يدفع كثيرين إلى قتل أي أفعى تُرى في المكان، سواء كانت سامة أو غير سامة.

وترى أن “الخطر الحقيقي يبدأ عندما نقتل الأفاعي غير السامة التي تقوم بدور مهم في التوازن البيئي، خصوصا في مكافحة القوارض”. فقتل هذه الأنواع يفتح المجال أمام تكاثر الفئران، ويزيد أيضا فرص ظهور الأفاعي السامة التي تبحث عن الغذاء في أماكن سكن الإنسان.

لونه أسود.. لكن “قلبه أبيض”

لا يقتصر عمل الدعجة على التعامل الميداني مع البلاغات، بل تمتد جهودها إلى الجانب التوعوي. فهي تقدم إرشادات واضحة للمواطنين، أولها عدم محاولة الإمساك بالأفاعي يدويا مهما كانت الخبرة، وترك التعامل معها للمختصين.

وتحرص على تصحيح صورة بعض الأنواع غير السامة، مثل “الحنيش”، الذي يخشاه كثيرون بسبب لونه الأسود، لكن الدعجة تصفه مازحة بأنه “صحيح أن لونه أسود، لكن قلبه أبيض”، في إشارة إلى دوره في القضاء على الأفاعي السامة والحفاظ على توازن المنظومة البيئية.

إنقاذ بلا مقابل.. وحضور دائم عند الاستدعاء

في جانب من عملها اليومي، تؤكد الدعجة أنها تلبي نداء أي شخص يتواصل معها عند العثور على أفعى داخل المنزل أو في محيطه، إذ تتوجه بنفسها إلى الموقع، دون تقاضي أجر، للتعامل مع الحالة.

تقوم بضبط الأفعى وفق نوعها وطبيعتها، سواء كانت سامة أو غير سامة، وتشرح لأصحاب المنزل كيفية الوقاية وإغلاق الفتحات التي قد تسمح بدخول الأفاعي أو القوارض. بالنسبة لها، لا ينتهي البلاغ بمجرد “إخراج الأفعى”، بل بمحاولة منع تكرار المشهد وتثبيت المعرفة لدى الناس.

قصة هبة الدعجة ليست مجرد حكاية شغف غريب بعالم الأفاعي، بل نموذج لامرأة قررت أن تحول خوفا جماعيا إلى معرفة، ومجالا محفوفا بالمخاطر إلى مساحة حماية للآخرين، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، حتى في أكثر كائناتها إثارة للرهبة.