كتب .. د. نسرين البغدادي
الرعارع ليست مجرد أطلالٍ منسية في ذاكرة لحج، بل جرحٌ مفتوح في خاصرة التاريخ، ومدينةٌ تبدو وكأنها ما تزال تُخفي تحت ترابها صدى الصرخات الأخيرة، ورائحة الحريق، وأقدام الذين مرّوا ثم اختفوا دون أثر.
هناك مدن تموت بصمت، وهناك مدن تتحول إلى أسطورة… والرعارع واحدة من تلك المدن التي لم يغادرها التاريخ تمامًا.
كل حجرٍ فيها يوحي بأن شيئًا جللًا حدث هنا. ليست آثار خرابٍ عابر، بل بقايا لحظة مصيرية غيّرت وجه لحج إلى الأبد. ولهذا لم يكن انتقال الثقل إلى الحوطة مجرد تطور عمراني طبيعي، بل يبدو أقرب إلى ولادة مدينة من رماد أخرى.
الروايات الشفهية التي تناقلها كبار السن ليست مجرد حكايات تُروى للتسلية؛ بل ذاكرة جمعية تحمل في داخلها شذرات من حقيقة أكبر. حكاية الرجل الأيوبي الكردي الذي التف حوله أهل لحج بحكمته، ثم اختار أن يحوّل القصر إلى مقبرة للغزاة بدل أن يكون غنيمة لهم، ليست رواية سهلة العبور. إنها رواية ثقيلة، موجعة، ومليئة بمعنى الكرامة في زمن الانهيار.
فكرة “الجبخانات” المحيطة بالقصر، والسرداب، وآثار الحريق، والفخار المحروق… كلها تفاصيل تجعل الرعارع تبدو كمدينةٍ خاضت معركتها الأخيرة بصمت، ثم انسحبت من المشهد تاركةً الحوطة لتكمل الحكاية.
ولعل أكثر ما يوجع في الأمر أن تاريخ لحج الحقيقي ما يزال مطمورًا تحت طبقات الإهمال، بينما كثير من قصورها وأطلالها تُقرأ اليوم كزينة معمارية فقط، لا كوثائق نجاة وصراع وتحولات سياسية عميقة.
قصور لحج ليست جدرانًا قديمة… إنها ذاكرة سلطة، وخوف، وحروب، وتحالفات، ونهايات مأساوية.

والرعارع ليست مجرد “عاصمة قديمة”، بل شاهدٌ حزين على لحظةٍ اختلط فيها الذكاء بالتضحية، واختفى فيها جيش كامل بين الركام، بينما بقيت لحج حيّة.
ربما لن نعثر على كل الحقيقة أبدًا، لكن المؤكد أن هذه الأرض لا تزال تحتفظ بأسرارٍ أكبر مما نتصور.




