قادري أحمد حيدر

​من فضاءات حديقة معرفية وفكرية وثقافية وتاريخية فسيحة، أطلَّ يحيى بن حسين العرشي على الحياة، وهو مشبعٌ بروح الثقافة الوطنية العميقة الخالصة. لقد نهل من منبع والده، القاضي العلامة والمؤرخ الجليل حسين بن أحمد العرشي، مؤلف السفر التاريخي الهام “بلوغ المرام في شرح مسك الختام في من تولى ملك اليمن من ملك وإمام”.

​وليس بالضرورة أن يكون الابن نسخة طبق الأصل من أبيه في كل تفاصيله، أو أن يسير على خطاه حذو القذّة بالقذّة؛ فالحياة حافلة بالنماذج التي تعكس اتجاهاً مغايراً. وثمة مثل يمني يختزن الكثير من الحكمة والخبرة الحياتية والتاريخية العميقة، يقول: “ما يشبه أباه إلا الحمار”؛ والمعنى هنا أن الابن، بقدر ما يتصل بوالده بيولوجياً وجينياً، إلا أنه في المحصلة ابن عصره، وله تاريخه المستقل الذي يفرض عليه تقديم إضافته الخاصة، وصياغة ما لم يقله أو يقدمه والده، من خلال حقن الواقع بروح وقيم زمنه وبصمته المتفردة.

فالأب أي أب، كإنسان، في العموم لايريد ولا يقبل أن يكون أحداً افضل منه، سوى أولاده وبناته.

​بهذا المعنى تحديداً، وتأكيداً على حكمة المثل الشعبي اليمني، أقف أمام شخصية الأستاذ والصديق يحيى بن حسين العرشي. فمن خلال ما أهداني من كتب تبحث في التاريخ السياسي الوطني اليمني المعاصر، يؤكد العرشي أنه سليل والده بيولوجياً وقيمياً، لكنه في الوقت ذاته ابن عصره بامتياز؛ في رؤيته، وفكره، ولغته، ومنطق تفكيره المعاصر المتجدد.

​يحيى بن حسين العرشي شخصية فكرية وسياسية وثقافية وطنية، أحب اليمن بكل تفاصيله الدقيقة، وفي شتى أقواله -شفاهية كانت أم كتابية- تراه يرمق البعيد ويستشرف المستقبل، فلا ينطق ولا يكتب إلا ما يقتضيه المقام في القضايا السياسية والثقافية والوطنية والقومية. هو يمني الهوى والهوية، عشق الوطن حتى النخاع، وأحب الجنوب اليمني بمثل ما أحب شماله؛ ولأجل ذلك كان رسولاً مخلصاً لقضية وفكرة الوحدة، هو ورفيق دربه الأستاذ الصديق، راشد محمد ثابت.

​يتميز الاستاذ، يحي العرشي، بأسلوب “المختصر المفيد” في كل شأنه، مع تواضع جم يحمل تقديراً كبيراً لكل من يحيط به. ومع أن معرفتي الشخصية المباشرة به قد لا تتجاوز العقدين والنصف، رغم أنني عملت موظفاً في هيئة تحرير “مجلة الثقافة” حين كان وزيراً للثقافة والسياحة في تسعينيات القرن الماضي، إلا أنني طوال فترة قيادته للوزارة -والتي تُعد من أزهى فترات النشاط الثقافي والإبداعي- لم ألتقِ به يوماً، ولم أسعَ لذلك، جرياً على عادتي مع جميع الوزراء.

​على أن ملامح الأستاذ الجليل والنبيل ابن العرشي ارتسمت لدي أولاً من خلال استاذ علم الإجتماع، عبد علي عثمان، ومن ثم عبر أحاديث الدكتور عبد العزيز المقالح، وتعليقات الأستاذ ، علوان الشيباني. فقد كان الفقيد عبد علي عثمان يزوره في مكتبه حين كان وزيراً للثقافة والإعلام، وكان حديثه عنه يفيض بالثناء والمودة، فيما يبدو أنها كانت علاقة شخصية وسياسية عميقة، وهو ما رسخ في ذهني تلك الصورة الطيبة عنه، فأنا أثق تماماً بأحكام وتقييمات الفقيد الكبير عبد علي عثمان.

​والشيء المؤكد الذي أستطيع الجزم به، هو أنه كان من أفضل وأقدر من أدار دفة وزارة الثقافة والإعلام في السبعينيات، ووزارة الثقافة والسياحة في التسعينيات.

فقد بدأ يحيى العرشي حياته العملية والإدارية في مطلع النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وكان له دور فاعل في بناء وتأسيس العديد من المؤسسات الإدارية الجمهورية الحديثة. وتاريخه يشهد له في بناء تلك الصروح، ثم تدرج وزيراً في أكثر من حقيبة، وسفيراً في أكثر من بلد؛ وحيثما حلَّ ممثلاً لليمن سياسياً ودبلوماسياً، كان خير من يقدم صورة اليمن المعاصر للعالم، وسيرته العطرة تسبق خطاه.

​الأستاذ الجليل والصديق النبيل يحيى العرشي هو صوت شجاع نادى بالوحدة السلمية والديمقراطية التعددية.

ويقيني أنه لو علم بأن مسار الوحدة سيمضي بتلك الصورة التي حدثت، لقدم رؤية سياسية وعملية إجرائية مختلفة؛ ليس نقضاً لها، بل تعزيزاً وتكريساً لمعنى وجودها المستمر بأقل التكاليف وأبسط الأثمان، ولكن “ما كل ما يتمنى المرء يدركه”.

​إن الوحدة في تفكيره ليست صنماً، ولا فكرة “شرعية دينية” مقدسة كيفما اتفق، بل هي قضية سياسية واجتماعية وطنية وتاريخية نبيلة، تتطلب توفير شروط ذاتية وموضوعية لتحقيقها على أرض الواقع. كانت رغبة وحلم الإنسان اليمني في الشمال والجنوب، بل وربما كانت أشواق أبناء الجنوب إليها أكثر إلحاحاً مما كان عليه الحال في الشمال.

​يتصف الأستاذ يحي العرشي بوضوح تام في الرؤية والفكر، ويتميز بالصدق والشفافية، والهدوء الرزين في التعبير عما يريد، سواءً شفاهة أو كتابة، حتى أن صمته يبدو ممتلئاً بالكلام الجميل. وفي أشد الفترات اضطراباً وتوتراً، رأيته متماسكاً، صلباً وواضحاً، يقول ما يريد بكلمات موجزة تكون هي “فصل الخطاب” في القضية المثارة.

​ثمة أسماء لرجال أصدقاء لا يحتاج المرء لزمن طويل كي يضمهم إلى قائمته الخاصة؛ يكفي أن تلتقي بهم لبرهة حتى يتركوا انطباعاً عزيزاً وجميلاً يسكن الذاكرة طوال العمر، والأستاذ يحيى العرشي يقف على رأس هؤلاء. ففي الحياة، وحتى في الصداقات، هناك من تحترمهم ولكن لا تستطيع القول إنك تحبهم، أما ابن العرشي فهو من نماذج الرجال القادة الذين لا تملك إلا أن تحبهم وتحترمهم في آن واحد.

​قبل حوالي ثلاثة عشر عاماً خلت، قدمتُ له مخطوطة كتابي “أزمة بناء السلطة والدولة في اليمن” للاطلاع وإبداء الملاحظات والإضافات والتصويبات، وبعد ثلاثة أيام فقط اتصل بي ليخبرني بأنه اطلع على الكتاب، وأعجب بمحتواه، بل وبادر بتشريفي بكتابة مقدمة للكتاب والتكفل بطباعته على نفقته الخاصة، وهو موقف كشف عن مدى جديته ومحبته للمعرفة وكرمه الحاتمي. ورغم أننا رأينا لاحقاً تعذر الطباعة في تلك الظروف خشية المتاعب، التي قد تطالني، وتطاله باعتباره من كتب مقدمة الكتاب، وتأجل المشروع، إلا أنني أورد هذه الواقعة للدلالة على نبله ومحبته للفكر الذي يبحث في القضايا الوطنية الإشكالية/ الشائكة، ومقدار حبه للكتاب وضرورة وصوله للناس، وهذا أحد وجوهه المبدعة كمثقف وصديق وإنسان.

​يحيى بن حسين العرشي منزه عن الكلام الرخيص، عفيف اللسان، حلو المعشر، ينتقي مفرداته بعناية فائقة، ولا ينطق أو يكتب إلا ما يلزم. والجميل فيه أن قوله الشفهي المرتجل هو ذاته ما يكتبه، وهذا دليل على شخصية سوية، متوازنة، وعاقلة تدرك ما تريد من الحياة، فلا يعرف “زلل القول” إلى خطابه طريقاً.

​سعدت كثيراً بإهدائه لي مجموعة من كتاباته، وبعد قراءتها بتمعن، وجدتني أمام شخصية باحثة ومفكرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وقبل أيام قليلة، في الجمعة الأولى من مايو/ واحد مايو، حضرت عرس حفيده (ابن نجله هشام)، وما لفت انتباهي هو أن القاعة كانت تغص بالمدعوين من شتى مناطق اليمن دون استثناء، مما يدل على مكانته العميقة في وجدان المجتمع، وهي مكانة نابعة من اسمه وشخصه وتاريخه، بعيداً عن دلالات السلطة، فهو خارج منظومتها ولا علاقة له بها من قريب أو بعيد. هنا تدرك أن أقدار الناس ومكانتهم في المجتمع تصنعها أدوارهم السياسية والاجتماعية والوطنية، لا الكراسي التي يتبوأونها.

​حقاً، هو يحيى العرشي؛ الإنسان والموقف أولاً، وتأتي صفات السياسي والمثقف والوزير والسفير كتفصيلات وتمظهرات خارجية لهويته الذاتية الجوهرية الإنسانية.

وكتابتي هذه لا توفيه حقه، بل هي حالة وفاء متأخرة وتقدير لدوره ومكانته.

​ثمة عادة عربية مريرة وكريهة، وهي ظاهرة تكريم المبدعين بعد رحيلهم، وكأن الاحتفاء بالكبار مقترن بالموت، ننتظر رحيلهم لنقول كلمة طيبة! إنه نتاج العقل الاستبدادي التاريخي الذي لا يقبل الآخر إلا إذا كان تابعاً له.

مع أن التكريم الحق يجب أن يكون في حياتهم وهم بيننا، فهنا يكمن المعنى الحقيقي للاحتفاء. ألم يكن الأجدر أن نقول كلمة حق ووفاء وهم بيننا؟

​إن غنى تجربته الحياتية في السياسة والثقافة والاجتماع تنعكس في كتاباته وأقواله.

قرأت ذلك في كتبه: (كتاب الاستقلال.. والوحدة) عن الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر، و(كتاب صفحات من الماضي) (1968-2016)، بأجزائه الثلاثة الضخمة وذات القيمة والمعنى. وهي كتابات توثق ببراعة للحياة السياسية المعاصرة وتاريخ الثورة.

​يحيى بن حسين العرشي هو بحق مثقف كبير، وقائد سياسي وإداري، وإنسان قبل كل شيء.

لك المجد والتحية أيها الكبير.. وأدام الله السرور.