أحمد حرمل
في رحاب الحياة الواحد، ثمة من يحدق بها بعين نحلة، وثمة من يرمقها بعين ذبابة.
كلاهما يرفرف في الفضاء ذاته، ويقيم في البستان نفسه، وتشهد جفونهما الشمس ذاتها. لكن الفارق بين الرؤيتين، كالفارق بين سماء وأرض.
أما عين النحلة
فلا تستقر إلا على طعم الرحيق.
ترى في الوردة بهاءها، وفي الغصن نضارته، وفي النسمة أغنيتها.
حتى الشوك يغيب عن ذاكرتها، لأنها مسكونة بجمع العسل.
صاحب هذه العين يمشي بين الناس فينقى طيب القول، ويغفر الزلات، ويستخرج من كل جرح حكمة.
لا يخلو المكان من عيب، لكنه يختار أن يشيد من الجمال قصرًا في فؤاده.
وأما عين الذبابة
فلا تقع إلا على أثر القذر.
ترى في الوردة شوكتها، وفي الغصن يبوسته، وفي النسيم عجاجته.
حتى العسل لا يحضرها، لأنها مرتهنة للجوع.
صاحب هذه العين يحلق في الأفق نفسه، ويقيم في البستان عينه، لكنه لا يشهد غير الخراب.
يقتفي العيب في الرفيق، والخطأ في الناصح، ويقتفي النقمة في كل نعمة .
فلا يطيب له عيش، ولا يهدأ له بال.
والعجيب أن البستان يبقى واحدًا.
ليس الاختلاف في الأشياء، بل في الحارس الساكن في أعماقنا.
الضمير هو من يوجه البصر: إن كان يقظًا، صارت النحلة مرشدنا. وإن غاب، صارت الذبابة قائدنا.
فاختر لنفسك أي عين تشاء.
فأنت لا ترى العالم كما هو كائن، بل تراه كما تشتهي أن يكون.
في ساحة الجنوب السياسية
نفس البستان، ونفس الأحداث… لكن عيون الناس تباينت.
عين النحلة السياسية
تتجه نحو الجنوب، فترى في كل أزمة مولد فرصة.
ترى في دماء الشهداء نواة دولة، وفي التنوع السياسي اجتهادًا لا خيانة، وفي الجدب الاقتصادي حافزًا للعمل والبناء.
صاحب هذه العين يلملم القواسم المشتركة، ويستخلص الرحيق من كلام الخصم حين يحمل نفعًا للناس، ويجمع الشمل ولو على كبريائه.
لا يجحد الجراح، لكنه يأبى أن يحولها إلى مستنقع يُغرق الجميع.
عين الذبابة السياسية
لا ترى إلا ما يتعفن.
ترى في كل اتفاق خيانة صامتة، وفي كل قيادة عميلًا متخفياً، وفي كل إنجاز ولو صغيرًا فشلاً ذريعًا.
تطير من فضيحة إلى أختها، ومن إشاعة إلى إشاعة، تشبع جوعها من لذعة التشفي، ولا ترفع لبنة.
صاحب هذه العين يقيم بين الناس المتعبين، لكنه لا يرى فيهم إلا وقودًا لمعركته.
فإن انكسرت شوكة، فرح. وإن التئمت الصفوف، اغتم.
وبالمختصر المفيد نقول ان بستان الجنوب ممتلئ بالرحيق والقذر معًا.
النحلة تبني خلية، والذبابة تلوث المكان.
واليوم، يحتاج الجنوب إلى من يحمل عين النحلة أكثر من أي وقت مضى.
لأن الأوطان لا تُشاد بأولئك الذين يعدّون الجراح، بل بمن يُضمدونها.
فليس السؤال من معي ومن ضدي؟
بل السؤال الحقيقي هو هل أنظر إلى الجنوب بعين من تشتهي رحيق الزهور، أم بعين من تشتهي القمامة؟




