كريتر نت – متايعات

في خطوة تعكس تحوّلاً استراتيجياً متدرجاً في عقيدة التسليح المصرية، تسعى القاهرة إلى تعميق تعاونها الدفاعي مع بكين، ليس فقط عبر صفقات السلاح، بل من خلال توطين التكنولوجيا العسكرية الصينية وبناء قاعدة تصنيع دفاعي متقدم داخل مصر.

وترى الباحثة نادية هلمي في تقرير مشره موقع مودرن بوليسي أن هذا التوجه، الذي برز بوضوح خلال عامي 2025 و2026، يشي بانتقال العلاقات العسكرية المصرية-الصينية من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة، تحمل أبعاداً إقليمية ودولية لافتة.

وشهد يوليو 2025 تعيين العقيد وو تشيان، المتحدث السابق باسم وزارة الدفاع الصينية، ملحقاً عسكرياً في السفارة الصينية بالقاهرة، في خطوة قرأتها الأوساط الاستراتيجية على أنها مؤشر واضح على الأهمية التي توليها بكين للعلاقة الدفاعية مع مصر.

فاختيار شخصية ذات خلفية إعلامية-عسكرية بارزة يعكس رغبة صينية في إدارة هذا الملف بحساسية سياسية عالية، وإبرازه كأحد محاور النفوذ الصيني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتشير التقارير العسكرية والأمنية الصادرة عن وزارة الدفاع الصينية وجيش التحرير الشعبي إلى أن العلاقات مع وزارة الدفاع المصرية تجاوزت مرحلة صفقات السلاح التقليدية، لتدخل طور «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

والهدف المعلن هو تعزيز القدرات التكتيكية والتقنية للقوات المسلحة في البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز حضور الصين العسكري-التقني في المنطقة.

وفي هذا السياق، برزت رغبة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في توطين الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا العسكرية الصينية المتقدمة إلى القاهرة، وهو ما لاقى ترحيباً واضحاً من الجانب الصيني.

وقد تُرجمت هذه الرغبة إلى سلسلة مذكرات تفاهم بين «الهيئة العربية للتصنيع» وشركات دفاع صينية كبرى مثل «نورينكو» و«شادو وينغز»، تهدف إلى تصنيع أنظمة دفاعية متطورة محلياً وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعات العسكرية.

وتشير المصادر الصينية إلى أن التعاون لا يقتصر على خطوط إنتاج محدودة، بل يشمل منظومات جوية وبحرية متقدمة.

ففي مايو 2025، احتفلت القوات الجوية المصرية وشركة «كاتيك» الصينية بوصول مقاتلات صينية جديدة إلى القاهرة، بالتوازي مع استمرار الإنتاج المحلي لطائرات التدريب «K-8» كما تضمن التعاون نقل تكنولوجيا الطائرات دون طيار، مثل «ASN-209»، وتدريب كوادر مصرية على صيانة محركات عسكرية متقدمة كـ«WS-10B».

وتمثلت أحد أبرز محطات هذا التعاون في مناورة «نسور الحضارة 2025»، أول تدريب جوي مشترك بين مصر والصين، والذي أُقيم على الأراضي المصرية بين أبريل ومايو 2025. ووصفت وزارة الدفاع الصينية هذه المناورة بأنها «محطة مفصلية» في تعزيز الثقة والتعاون العملي بين الجيشين.

وشملت التدريبات عمليات التفوق الجوي، والتزود بالوقود جواً، والبحث والإنقاذ في ساحة المعركة، إضافة إلى قمع الدفاعات الجوية المعادية.

وشاركت الصين بتشكيلات جوية متقدمة، من بينها مقاتلات «J-10C»، وطائرات الإنذار المبكر «KJ-500»، وطائرات التزويد بالوقود «YY-20»، في رسالة واضحة عن قدرتها على الانتشار السريع والعمليات بعيدة المدى في أفريقيا.

ولم يقتصر التعاون على الميدان، بل امتد إلى المجال الأكاديمي والعقائدي.
فقد كثّفت جامعة الدفاع الوطني الصينية جهودها لبناء علاقات طويلة الأمد مع القيادات العسكرية المصرية، عبر برامج تدريبية وتبادل فكري تستهدف تشكيل «نخبة عسكرية مستقبلية» في مصر وأفريقيا ودول الجنوب العالمي.

وشهد عام 2025 مشاركة ضباط مصريين في فعاليات «أسبوع الطلبة العسكريين الدولي» في الصين، وزيارات متبادلة لوفود عسكرية، في إطار مسعى صيني لتقديم فكرها العسكري كبديل استراتيجي عن نماذج التدريب الغربية التقليدية.

وتطرقت التقارير الصينية إلى إدماج منظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى «HQ-9B» في البنية العسكرية المصرية، كمنافس أو مكمل للأنظمة الغربية والروسية.

وفي حين نفت بكين رسمياً تقارير عن تصدير مقاتلات «J-10CE» إلى مصر، فإن التحليلات العسكرية تشير إلى استمرار النقاشات حول صفقات محتملة تشمل غواصات «Type 039A» ومنظومات رادار وصواريخ متقدمة.

ويعكس هذا التقارب الدفاعي رغبة مصر في تنويع مصادر تسليحها وتعزيز استقلال قرارها العسكري، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتوازنات دولية متغيرة.

وفي المقابل، ترى الصين في مصر شريكاً محورياً يتيح لها توسيع نفوذها العسكري-التقني في الشرق الأوسط وأفريقيا، وترسيخ مفهوم «مجتمع المصير المشترك» الذي تروج له بكين.

وما تكشفه التقارير الرسمية الصينية أن التعاون العسكري مع مصر لم يعد محصوراً في عقود بيع السلاح، بل بات يشمل التخطيط العملياتي، والتدريب التكتيكي، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع المشترك.

وهو ما دفع وزارة الدفاع الصينية إلى وصف مصر بأنها «شريك استراتيجي رئيسي في أفريقيا والشرق الأوسط».

وتشير التطورات بين 2025 و2026 إلى أن القاهرة وبكين ترسمان معاً ملامح شراكة دفاعية طويلة الأمد، قد تعيد تشكيل خريطة التسلح والتحالفات العسكرية في المنطقة، وتمنح مصر هامشاً أوسع للمناورة الاستراتيجية في عالم يتجه بثبات نحو التعددية القطبية.