فضل الجعدي
تحقيق اهداف الثورات مسار معقد وشائك وغالبا ما تصطدم الطموحات الكبيرة بواقع سياسي واقتصادي واجتماعي مرير ويعد تخبط قرارات القيادة السياسية أحد أخطر التحديات التي تواجه أي ثورة او مكون او تنظيم سياسي، حيث يؤدي غياب الرؤية الواضحة والقرارات المرتجلة إلى إحداث حالة من الفوضى، مما يؤثر بشكل مباشر على استقرار التنظيم وشرعيته, ويؤدي تضارب القرارات إلى زعزعة ثقة الأعضاء والقواعد الشعبية في القيادة ويولد انطباعاً بغياب الرؤية الاستراتيجية، مما يجعل التنظيم يبدو غير مؤهل لإدارة الأمور السياسية, ومن الجدير قوله
ان الخطاب المزدوج والبعد عن الأهداف الحقيقية يفقد الثورات ظهيرها الشعبي ويسهل استدراج الجماهير إلى معارك جانبية تستنزف طاقتهم وتبعدهم عن الهدف الأسمى الذي يحاربون من اجله .
ان القرارات المرتجلة غير المدروسة تعيق التدفق الصحيح للمعلومات وتخلق سوء فهم داخل الهياكل التنظيمية وتنتج بيئة خصبة للاختلافات والنزاعات بين أجنحته المختلفة، مما يضعف تماسكه وفشله في اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة، ينطوي عليها احداث فجوة عميقة بين الشعارات المرفوعة وبين الواقعية السياسية وهو ما يضعف الأداء في أوقات الأزمات والغموض وعدم القدرة على قراءة المتغيرات، لينتج عنها اتخاذ قرارات قد تكون كارثية, ولذلك ينبغي على قيادة اي ثورة او تنظيم او مكون سياسي أن تقدم نموذجاً مؤسساتياً، تلتزم به الهيئات القيادية، بإدارة مراحل الصراع ومُستحقات الانتقال السياسي، وفق محددات ومطالب قوى الثورة، لا وفق رؤى واجتهادات سياسية معيارية،لان القيادة الماهرة هي القادرة على اتخاذ قرارات مدروسة كأساس للنجاح السياسي، بينما يعد التخبط وغياب التخطيط أسرع طريق لفشل المكون وفقدان تأثيره المجتمعي .
ان الخروج من ضبابية الرؤية يتطلب العودة إلى الحكمة والعقلانية، وإعلاء المصلحة الوطنية، واحداث توازن بين المعطيات والواقع السياسي، فضبابية الرؤية السياسية واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه العمل الثوري والسياسي، حيث تعني غياب الأهداف الاستراتيجية الواضحة، وعدم القدرة على استشراف المستقبل، مما يترك الساحة للمصالح الشخصية والضغوط المختلفة .
لقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني غير ان حالة التشظي التي عاشتها أدت إلى تداعيات سلبية عميقة على القضية الفلسطينية، ففقدت زخمها الشعبي كمظلة وطنية مما أدى إلى احباط الجماهير وتشتيت الطاقات النضالية وتحول الصراع من جهد وطني شامل إلى مبادرات فصائلية او مناطقية محدودة, ومع تراجع دورها كحارس للهوية الفلسطينية تزايد تذويب حقوق الشعب واختزلت القضية في قضايا إنسانية ومعيشيّة بدلا من كونها قضية تحرر وطني.
ان تحقيق الأهداف الاستراتيجية لا يمكن له أن يكون الا وفق رؤية جامعة وخطوات عقلانية لا تؤدي الى تشويش الرسالة السياسية او إرباك الحاضنة الشعبية، وان اكبر عقبة تمنع تحقيق الأهداف هي الانهماك بالتفاصيل الصغيرة وادخال المشروع الكبير في متاهات هو في غنى عنها وبعيدا عن المنطق السياسي وضرورات اللحظة .




