كريتر نت – متابعات

في صباحات جنوب الأطلسي الباردة، كانت السفينة السياحية “إم في هوندياس” تمضي بهدوء بين الجزر المعزولة، وعلى متنها نحو 150 راكبا من جنسيات مختلفة، يستمتعون بمشاهدة أجمل المناظر الطبيعية في العالم. انطلقت السفينة من ميناء في مدينة أوشوايا أقصى جنوب الأرجنتين، في الأول من أبريل/نيسان، في رحلة يفترض أن تكون مغامرة نادرة بين قارة أنتاركتيكا، ومجموعة من الجزر الأطلسية أهمها جورجيا الجنوبية، وتريستان دا كونا، وسانت هيلينا، وكان من المقرر أن تمر بها السفينة في رحلتها من الجنوب نحو الشمال.

لكن بعد أيام قليلة من الإبحار، ظهر طارئ صغير بدا في البداية حدثا عاديا، حيث أصيب رجل بالغ بحمى وصداع وإسهال خفيف، تصور البعض أنها ربما نزلة معوية لا أكثر، إلا أن هذه الوعكة الصحية لم تمر بسلام، فخلال أيام تحولت الأعراض إلى ضيق تنفس، ثم تدهورت الحالة بسرعة، وفي 11 أبريل/نيسان مات الرجل على متن السفينة قبل أن تصل إلى تريستان دا كونا، وهي أرخبيل بركاني صغير ومعزول في جنوب المحيط الأطلسي، ثم بعد عدة أيام ظهرت حالة وفاة ثانية، ثم ثالثة، وهنا تحديدا عاد اسم “فيروس الهانتا” إلى عناوين الأخبار، بعد تأكيد أن بعض الإصابات على هذه السفينة كانت بسبب هذا الفيروس.

بحسب تحديث منظمة الصحة العالمية في 8 مايو/أيار الحالي، بلغ عدد الحالات المصابة المرتبطة بالسفينة 8 حالات، منها 6 مؤكدة مختبريا بـ “فيروس أنديز” وهو أحد أخطر سلالات هانتا، وحالتان مرجحتان، مع 3 وفيات، ما يعني أن نسبة الوفاة داخل هذا العنقود المصاب تقارب 38%، وذكرت المنظمة أن أربعة مرضى كانوا لا يزالون في المستشفيات، منهم واحد في العناية المركزة بجنوب أفريقيا، واثنان في هولندا، وآخر في سويسرا.

تاريخ “هانتا”

يدفعنا ذلك للتعريف بفيروس الهانتا رغم أنه ليس ضيفا جديدا تماما على صفحات الأخبار. والهانتا هو اسم لعائلة كاملة من الفيروسات التي تعيش أساسا في القوارض، مثل الفئران وتنتقل إلى الإنسان غالبا عند استنشاق غبار أو لمس شيء ملوث ببول أو براز أو لعاب قوارض مصابة، ولا ينتقل معظمها من إنسان إلى آخر، إلا في استثناءات محدودة أهمها “فيروس أنديز” السلالة التي ترجع أصولها إلى أمريكا الجنوبية، والذي رصد في حالة السفينة السياحية.

تاريخيا، لفتت فيروسات الهانتا أنظار الطب الحديث بعد حالات حمى غامضة بين جنود الحرب الكورية في خمسينيات القرن العشرين، خصوصا بين قوات الأمم المتحدة. كان المصابون يعانون حمى مرتفعة، وصداعا وآلاما في سائر الجسد تقريبا، وفي الحالات الأشد تظهر اضطرابات نزفية ومشكلات حادة في الكلى، ويقول مركز السيطرة على الأمراض في الولايات المتحدة إن ما لا يقل عن 3000 جندي أصيبوا بالفيروس خلال الحرب الكورية.

ظل سبب المرض غامضا لأكثر من عقدين، كان واضحا للأطباء أن هناك عاملا معديا وراء هذه الحمى، لكنهم لم يعرفوا أين يختبئ ولا كيف ينتقل، ثم جاء التفسير الطبي في أواخر السبعينيات، حين نجح العالم الكوري هو وانغ لي وزملاؤه في ربط المرض بقوارض الحقول، وتحديدا ما يسمى “فأر الحقل المخطط”، ثم بعد ذلك تم عزل الفيروس من أنسجة رئة هذا القارض قرب منطقة نهر هانتان في كوريا، ومن هنا سمي فيروس هانتان، أو “فيروس الهانتا”.

في عام 1993 ظهر فصل جديد من الفيروس حين ضرب تفش غامض منطقة الزوايا الأربع بين ولايات أريزونا وكولورادو ونيو مكسيكو ويوتا في جنوب غرب الولايات المتحدة، حيث وصلت إحدى فتيات شعب النافاجو، أحد تجمعات السكان الأصليين في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى غرفة الطوارئ بالمركز الطبي الهندي في منطقة جالوب بولاية نيو مكسيكو، تشكو من أعراض تشبه أعراض الإنفلونزا وضيق شديد في التنفس، قبل أن تقضي نحبها بسبب السوائل المتجمعة على الرئة.

بعد ذلك مات خطيبها للسبب نفسه، وشهدت تلك المنطقة وفاة 12 شخصا خلال عدة أشهر وإصابة 24 حالة في المجمل، وانتهى الأمر.

الآن نعرف أن فيروس الهانتا يسبب شكلين رئيسيين من المرض حسب نوع الفيروس والمنطقة التي يظهر فيها.

في الأمريكتين، يميل المرض غالبا إلى مهاجمة الرئتين والقلب، فيشعر المصاب بحمى وتعب ثم قد يتطور الأمر إلى ضيق شديد في التنفس، ويسمى ذلك متلازمة الهانتا القلبية الرئوية، أما في أوروبا وآسيا، فغالبا ما يظهر المرض بصورة مختلفة، إذ يؤثر أكثر في الأوعية الدموية والكلى، وقد يسبب حمى ونزفا واضطرابا في وظائف الكلى، ويسمى ذلك الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية.

خطير.. ولكن

ما سبق يعطينا فكرة واضحة عن خطورة هذا الفيروس، فهو يقتل الكثير من مصابيه، لكن عند المقارنة بين الهانتا وكوفيد-19 يجب التمييز بين نوعين من الخطر، الأول هو الخطر على الفرد الواحد إذا أصيب، والثاني هو الخطر على المجتمع. من حيث الشدة الفردية، قد يكون الهانتا أكثر رعبا، فبحسب منظمة الصحة العالمية، يصل معدل الوفيات في الأمريكتين إلى نحو 50%، بينما يذكر مركز السيطرة على الأمراض أن نحو 38% ممن يطورون أعراضا تنفسية ينتهي بهم الحال للوفاة.

لكن من حيث الانتشار، يختلف الهانتا جذريا عن كوفيد، فالأخير يسببه فيروس تنفسي ينتقل بكفاءة من إنسان إلى آخر، بما في ذلك عبر أشخاص لا تظهر عليهم أعراض واضحة، ولذلك استطاع أن يتحول خلال أشهر إلى جائحة عالمية.

يدرس العلماء هذه القدرة في سياق ما يسمى “رقم التكاثر الأساسي” (Basic Reproduction Number)، ويعني عدد الأشخاص الذين يمكن أن يصيبهم المصاب الواحد في المتوسط، داخل مجتمع لا يملك مناعة ولا توجد فيه إجراءات وقائية، هذا الرقم وصل إلى 8 في بعض أنواع فيروس كورونا.

أما في حالة فيروس إنديز، فإنه في تفش حدث بالأرجنتين قدر الرقم بنحو 2.12 قبل الحجر، ثم انخفض إلى نحو 0.96 بعد الإجراءات، ما يعني أن الشخص في المتوسط سيصيب أقل من شخص واحد (إحصائيا طبعا)، ما يعني أن طبيعة تفشي الإصابة تميل للانخفاض لا الارتفاع، أضف لذلك نقطة غاية في الأهمية، وهي أن حالات التفشي المرصودة في فيروسات هانتا تطلبت ارتباطا وثيقا ومخالطة شديدة بين المرضى، مثلا: زوجين وأطفال يعيشون في المنزل نفسه، وهذا مفهوم في حالة السفينة السياحية كذلك، هذا يختلف تماما عن انتشار فيروس كورونا، والذي يمكن أن يحدث في مكان عام بقدر أقل بكثير من المخالطة.

وبناء على ذلك، لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن فيروس الهانتا مرشح قريبا للتحول إلى جائحة شبيهة بكوفيد، لذلك يؤكد المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها بوضوح أن تفشي الهانتا في سفينة “إم في هوندياس” لا يمكن أن ينظر إليه على أنه “الجائحة التالية”، ويتفق ذلك مع تصريحات منظمة الصحة العالمية.

لكن هذا لا يعني أن الهانتا بسيط وبائيا، فخطورته تأتي من شدة المرض لا من سرعة الانتشار، وربما لا تعرف أن عدوى الهانتا تنتشر كل سنة تقريبا، مع عدد إصابات يتراوح بين 10 آلاف وأكثر من 100 ألف إصابة سنويا حول العالم، ففي شرق آسيا، وخاصة الصين وكوريا الجنوبية، ما تزال الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية مسؤولة عن آلاف الحالات سنويا، رغم أن معدلها تراجع خلال العقود الأخيرة.

أما في أوروبا فتسجل عادة عدة آلاف من الحالات كل عام، خصوصا في المناطق الشمالية والوسطى حيث ينتشر فيروس “بومالا” بين القوارض البرية، أما في الأمريكتين، فالمرض أندر من حيث العدد، لكنه أخطر من حيث الفتك، لأنه يظهر غالبا في صورة متلازمة الهانتا القلبية الرئوية القاتلة.

السيناريو الخطير

في هذا السياق يظهر سؤال مهم: ألا يمكن أن يتطور هذا الفيروس ليصبح بنفس قدرته على القتل وبنفس قدرة كوفيد-19 على الانتشار؟ والإجابة هي “نعم”، نظريا يمكن أن يتطور، فالهانتا، مثل كثير من الفيروسات، يتغير مع الزمن عبر الطفرات الجينية، خاصة أن بعض فيروسات الهانتا لها جينوم مقسم إلى ثلاث قطع، لا شريطا وراثيا واحدا، وهذه البنية تمنحه، نظريا، فرصة لتبادل قطع وراثية كاملة إذا التقى فيروسان قريبان داخل الخلية المصابة نفسها، ومن ثم يتغير الفيروس، ويكتسب صفات جديدة، مثل أن يصبح أسرع في الانتشار.

لكن لكي يتحول الهانتا إلى جائحة شبيهة بكوفيد-19، يجب أن يكتسب عدة صفات في وقت واحد، منها أن يكتسب القدرة على أن يتكاثر بكفاءة في الجهاز التنفسي العلوي، ومنها أن يخرج من المصاب بكميات كافية مع التنفس أو الكلام أو السعال، وأن ينتقل قبل ظهور الأعراض أو مع أعراض خفيفة، وأن يحافظ على رقم تكاثر أعلى من 1 بين البشر عبر أجيال متتابعة من العدوى، ومن ثم فهذه ليست مجرد طفرة واحدة بسيطة، بل تحول بيولوجي كبير في نمط حياة الفيروس.

ما سبق يتطلب توافق احتمالات ضئيلة، تتطلب زمنا طويلا (سنوات طويلة أو ربما أكثر)، ومع ذلك، لا يعني هذا أن الخطر منعدم تماما، فالتطور قد لا يحوله إلى جائحة، لكنه قد يؤثر في شدة المرض، أو قدرة الفيروس على الانتقال بين مخالطين قريبين، أو اتساع مناطق التعرض بسبب تغيرات بيئية تزيد احتكاك البشر بالقوارض، وهنا تحديدا يجب علينا الحذر، والكلام هنا موجه بالأخص للهيئات وليس للأفراد، فقد اقتربت الحيوانات من البشر بشكل كبير، والحيوانات هي الوسيط الأساسي لغالبية أنواع العدوى الفيروسية.

يمكن مثلا أن نتأمل عدد الذين انتقلوا إلى الحياة الحضرية في جنوب شرق آسيا وأفريقيا خلال العقد الأول من القرن الحالي، إنه 200 مليون نسمة، نتحدث هنا عن دولتين بحجم مصر، ويعني الانتقال للحياة الحضرية هنا أن تقوم الدولة بإزالة مساحات شاسعة من الغابات، ما يقرب بين البشر والحيوانات التي أجبرها صغر مساحة الغابة على التزاحم قريبا من البشر.

وكان باحثون من جامعة ستانفورد قد أشاروا بالفعل إلى أن أوغندا، على سبيل المثال، تمثل نموذجا لتلك الحالة، وذلك لأن توسع المواطنين في إزالة الغابات من أجل بناء المنازل وزراعة الأراضي الجديدة رفع من كثافة الرئيسيات في محيط أراضيهم ومنازلهم، ما رفع بدوره من إمكانية انتقال الفيروسات من تلك الرئيسيات إليهم، حتى مع اتخاذهم التدابير اللازمة للوقاية من قفزات فيروسية كتلك.

أما كريستين جونسون، الأستاذة في كلية الطب البيطري بجامعة كاليفورنيا، فتقول في دراسة إحصائية صدرت في 2020 إنه لو قررت تتبع نسب الفيروسات حيوانية المنشأ التي تصيب الإنسان فستجد نمطا واضحا يعبر عن المسافة بينك وبين الحيوان، أكثر الحيوانات نقلا للأمراض هي تلك التي قمنا باستئناسها، تليها تلك التي توجد في محيطنا مثل الخفافيش أو القوارض، تليها تلك التي يقوم البعض باصطيادها بشكل جائر. الأمر إذن بسيط، كلما اقترب الحيوان منك، اقترب الخطر.

من جهة أخرى فإن هذا الاضطراب الشديد الذي يحل بالبيئة قد يخلق أضرارا وخيمة. على سبيل المثال، أوضحت دراسة صدرت في منشورات الأكاديمية الوطنية للعلوم قبل عدة سنوات أن هناك تهديدا ممكنا لصحة المواطنين في عدة مناطق حول العالم جراء الأمراض المنقولة من القوارض، مع الانتشار الواسع لتلك الحيوانات في المناطق الحضرية. والسبب الرئيسي وراء هذا الانتشار -وفق الدراسة- هو أن إزالة الغابات قضت على الحيوانات التي تتغذى على تلك القوارض، ما سمح بتكاثرها بشكل أكبر، وبالتالي ارتفعت فرصة انتقال الأمراض منها للبشر.

في أستراليا، كان النموذج الأبرز هو فيروس “هندرا”، الذي تحمله خفافيش الفاكهة الطائرة وتنقله إلى الخيول ومنها نادرا إلى البشر. وقد ربطت الدراسات بين فقدان الموائل (البيئات الطبيعية)، وتراجع مصادر الغذاء الشتوية، وتغير سلوك الخفافيش، وبين زيادة فرص القفز الفيروسي إلى الخيول. الفكرة هنا قريبة جدا من نموذج أوغندا، فعندما تفقد الحيوانات موائلها الطبيعية، تقترب من المزارع والحدائق والضواحي، فتزداد نقاط التماس.

في أوروبا وأمريكا الشمالية، يقدم مرض لايم مثالا كلاسيكيا، فالبكتيريا المسببة له تنتقل إلى البشر عبر قراد الأرجل السوداء، لكن القراد لا يعمل وحده، بل يحتاج إلى شبكة من العوائل الحيوانية. في شرق ووسط الولايات المتحدة، يلعب الفأر الأبيض القدمين دورا مركزيا لأنه خزان كفء للبكتيريا، أي أن القراد اليافع الذي يتغذى عليه يملك فرصة كبيرة لاكتساب العدوى.

وعندما يتم تقسيم الغابات الكبيرة إلى رقع صغيرة بين ضواح وطرق ومساكن، وهو ما يحدث منذ عقود وبكثافة، قد تتراجع بعض المفترسات والأنواع المنافسة، بينما تزدهر القوارض الصغيرة القادرة على العيش في هذه الرقع، فيرتفع عدد القراد المصاب قرب البشر، بل ووجدت الدراسات أن كثافة كائنات القراد المصابة ترتفع بوضوح مع صغر مساحة الغابات، ما يعني ارتفاع خطر لايم في الغابات المجزأة الصغيرة، مقارنة بالغابات الكبيرة.

نحن أم الفيروسات؟

الأمر إذن أعقد من مجرد فيروس ينتشر على سفينة سياحية ثم تتم السيطرة عليه، فالفيروسات تقترب منا يوما بعد يوم، والواقع أننا -في هذا السياق- لا نفهم الفيروسات بشكل صحيح أبدا، ببساطة لأننا نظن أننا أقوى منها، وذلك للأسف غير دقيق.

حينما نقرر تأمل شجرة الحياة على كوكب الأرض، فإننا عادة ما نتصور أن كل فروعها ترجع إلى نطاق واحد يبدأ من خلية واحدة، تلك التي نعرف أنها تحتوي على نواة وميتوكوندريا وعضيات أخرى، لكن هذه هي فقط إحدى ثلاثة أشكال للحياة على الأرض. البكتيريا مثلًا، أو بدائيات النواة، هي أيضا أحد الأشكال الحيوية التي لا تحوي عضيات داخلها، ولها شجرة خاصة بها، بالإضافة إلى فئة ثالثة تسمى العتائق وهي شكل أكثر بساطة من أشكال الحياة، هنا لابد وأنك ستسأل: أين يمكن أن تقع الفيروسات من كل هذه الشجرات؟

في الواقع، لا نعرف. يمكن أن نجد فيروسات متخصصة لإصابة كل من تلك الأشكال الثلاثة من الحياة، وعندما نحاول أن نتتبع تركيبها الجيني سنجد أنه لا يمكن إرجاع الفيروسات لأي من تلك الأشكال الثلاثة. ترى بعض النظريات أن الفيروسات لا تقع ضمن نطاق الحياة تحديدا، بل هي شيء آخر مختلف يمثل فضاء مغلفا للحياة. بمعنى أوضح، أينما وجدت الحياة ستجد الفيروسات، لذلك فإنها رفيقتنا منذ البداية، وربما كانت موجودة قبل الحياة نفسها.

أعداد هذه الكائنات تفوق كل الكائنات الحية الخلوية بحوالي عشرة أضعاف، وهي تتواجد في كل مكان على هذا الكوكب، بداية من حجرتك مرورا بالأقطاب الباردة والبراكين المشتعلة ووصولا إلى بحيرات الأحماض القاتلة. من جهة أخرى، كذلك فإنها تتخذ أشكالا بديعة متنوعة بدرجة لا تُصدق، وبسبب ما سبق -إلى جانب بساطتها الجينية- فإن قدرات الفيروسات على التكيف تكون دائما مفاجئة. نحن نتحدث عن أنجح الكائنات في هذا الكوكب، قدرتها على التكاثر تتخطى كل الكائنات الحية الأخرى، فخلية واحدة مصابة بفيروس واحد يمكن أن تنتج عدة مئات إلى عشرات الآلاف من الفيروسات.

من المهم جدا أن ندرك تلك الفكرة قبل الخوض في أي حديث يناقش الفيروسات كعدو يجب التخلص منه، لأن ذلك بالطبع سيحيلنا للفكرة الأهم، وهي أن الفيروسات هي واقع يجب أن نتكيف معه، والتكيف هو عملية مستمرة لا تتوقف، هنا تحديدا يبرز سؤال: هل تجهزنا لذلك كله؟ هل بدأنا في تحقيق تكيف أفضل مع هذه الكائنات؟

قبل أن يسمع معظم الناس باسم “كورونا”، وقف بيل غيتس في مؤتمر ميونخ للأمن عام 2017 ليقول شيئا بدا وقتها أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى التحذير العلمي، حيث صرح بأن العالم ليس مستعدا لوباء شديد العدوى، وإن “ممرضا تنفسيا سريع الحركة” قد يقتل أكثر من 30 مليون إنسان في أقل من عام، الأمر الذي وضع غيتس فورا في قائمة أصحاب نظريات المؤامرة فقد تحقق ما قال، لكن غيتس لم يتنبأ بالغيب، بل كان يترجم بلغة السياسة والأمن ما يقوله علماء الأوبئة منذ سنوات، وهو أن العالم يستثمر بسخاء في السلاح، لكنه يتردد كثيرا حين يتعلق الأمر بالاستثمار في الرصد الوبائي، واللقاحات، والمختبرات، وبحوث الفيروسات الأساسية.

هذا ما يتفق عليه الكثير من خبراء هذا النطاق، فالبحث العلمي فيه بطيء مقارنة ببحوث الأدوية، والإنفاق كان دائما صغيرا نسبيا، ومرتبطا بحوادث التفشي، بينما تستمر الفيروسات في تطورها عاما بعد عام، ومن ثم فإن القفزة القادمة قد تأتي من أي مكان.

قد تظن أن كورونا أو الهانتا أو غيرها من الضربات مفاجأة، لكنها في الحقيقة “مفاجأة متوقعة”. نحن نعيش في كوكب مزدحم بالفيروسات، بعضها يسكن الخفافيش، وبعضها يسكن القوارض، وبعضها يسكن الطيور، وبعضها يسكن الخنازير أو الإبل أو القرود أو الحيوانات البرية التي لا نكاد نعرف عنها شيئا، وفي الوقت نفسه نقوم بقطع الغابات، ونوسع المدن، ونفتح الطرق في المناطق البرية، ونكثف تربية الحيوانات، ونتاجر بالحياة البرية، ومن ثم لا نغير الخرائط فقط، بل نغير شكل الاحتكاك بين الإنسان والحيوان والفيروسات.

من هنا تأتي فكرة “الصحة الواحدة”، إذ لا يمكن حماية الإنسان إذا عزلنا صحته عن صحة الحيوان والبيئة. فالمرض الذي يبدأ في قارض داخل مخزن، قد يصبح خلال أسابيع أزمة في مطار دولي، ثم في مستشفى، ثم في الاقتصاد العالمي. لذلك تدعو منظمة الصحة العالمية وخبراء “الصحة الواحدة” إلى الوقاية من القفز الحيواني عند المصدر، لا الاكتفاء بانتظار المرض حتى يدخل المدن ثم محاولة مطاردته.

المشكلة إذن ليست في تفشي فيروس الهانتا في سفينة سياحية، بل هي أعمق وأوسع، وهي بمثابة تذكير لنا بحقيقة مزعجة، وهي أننا لسنا مركز هذا الكوكب من الناحية البيولوجية، فالفيروسات أقدم منا من حيث الوجود العميق في شبكة الحياة، وأكثر عددا، وأوسع انتشارا، وأقدر على الاختباء في العوائل الحية، نحن نبني المدن والمطارات والمصانع، لكنها تعبر بينها بسهولة، ونرسم حدود الدول، لكنها لا تعترف بجوازات السفر، ونتصرف كأن العالم معد لنا وحدنا، بينما الحقيقة أن هذا الكوكب شبكة هائلة من الكائنات، ونحن فقط طرف واحد فيها.

المصدر: الجزيرة نت